قرحة المعدة: حين تصبح أعصابك هي السبب الأول للمرض

كتبت ليلى منصور

لطالما ظن الناس أن قرحة المعدة ترتبط بالأكل الحار والقهوة والوجبات الدسمة، لكن الطب الحديث كشف جانبًا آخر أكثر خطرًا… جانب يبدأ في الدماغ قبل المعدة. فالتوتر المزمن لم يعد مجرد حالة نفسية عابرة، بل أصبح سببًا مباشرًا يغير كيمياء الجهاز الهضمي ويفتح الباب لقرحة المعدة. في زمن تتسارع فيه الضغوط، لم يعد مستغربًا أن يصبح التوتر العامل الأول وراء إصابة فئات كبيرة من الناس بقرحة المعدة دون أن يعرفوا السبب الحقيقي.

كيف يصنع التوتر قرحة في المعدة؟ التفسير العلمي المبسط
التوتر ليس مجرد شعور ثقيل، بل سلسلة من التفاعلات الكيميائية التي تشمل إفراز هرمونات مثل الكورتيزول والأدرينالين. هذه الهرمونات تزيد من إفراز الحمض في المعدة، وتضعف الغشاء المخاطي الذي يحميها، وتربك إشارات العصب الحائر المسؤول عن تنظيم حركة المعدة. كما أن التوتر يضعف المناعة، فيسهل انتشار بكتيريا المعدة H. pylori، وهي واحدة من أبرز مسببات القرحة. بهذه الآليات الأربعة يتحول الضغط النفسي إلى مرض عضوي حقيقي.

علامات تشير إلى أن القرحة سببها نفسي وليس غذائيًا
هناك أعراض واضحة يلاحظها الأطباء عند المرضى الذين يعانون من قرحة مرتبطة بالتوتر: ألم أعلى البطن يزداد مع القلق، شعور بالحرقة بعد الانفعال، غثيان غير مرتبط بالطعام بل بالحالة المزاجية، فقدان الشهية في الأيام المليئة بالضغوط، ألم متقطع يتحسن بالهدوء ويزداد في المواقف الصعبة، واضطراب النوم. هذه الصورة تختلف بشكل كبير عن القرحة التقليدية الناتجة عن الطعام أو المسكنات.

عوامل تزيد من قوة تأثير التوتر على المعدة
التوتر وحده قد لا يسبب القرحة للجميع، لكن وجود عوامل مساعدة يجعل الخطر أكبر بكثير، ومنها: الإفراط في القهوة، التدخين، السهر، تناول الوجبات السريعة، استعمال المسكنات بكثرة، قلة شرب الماء، والعمل تحت ضغط مستمر. اجتماع هذه العوامل مع الإجهاد المزمن يجعل الغشاء المخاطي للمعدة أكثر هشاشة وأكثر عرضة للتآكل.

لماذا يتأخر كثيرون في اكتشاف القرحة؟
السبب أن أعراض القرحة تتشابه مع أمراض أخرى مثل التهاب المعدة والارتجاع وتهيج القولون. كثيرون يلجأون لأدوية الحموضة دون تشخيص دقيق، وهو ما يؤخر اكتشاف القرحة. الفحص الدقيق يعتمد على منظار المعدة، وتحليل بكتيريا المعدة، وربط الأعراض بعوامل التوتر. الجمع بين الثلاثة هو السبيل لتشخيص صحيح.

العلاج… لا يكتمل بدون علاج النفس أولًا
علاج قرحة المعدة التقليدي مهم، لكنه غير كافٍ إذا كان التوتر هو السبب الأساسي. فالعلاج الحقيقي يجمع بين ثلاثة محاور:
أولًا: العلاج الدوائي مثل مثبطات مضخة البروتون وأدوية البكتيريا.
ثانيًا: العلاج النفسي والسلوكي، سواء من خلال تمارين التنفس أو الرياضة أو العلاج السلوكي المعرفي أو تقليل المنبهات وتنظيم النوم.
ثالثًا: تعديل النظام الغذائي من خلال تناول وجبات صغيرة، والابتعاد عن الأطعمة الدهنية والحارة، وتقليل القهوة.
علاج المعدة دون علاج العقل يؤدي لعودة المرض مرة أخرى مهما كانت فعالية الدواء.

الوقاية تبدأ من نمط الحياة… وليس من الطعام
الوقاية من القرحة النفسية تعتمد على تحسين إيقاع الحياة: تنظيم الوقت، ممارسة رياضة خفيفة، تجنب العصبية المفرطة، بناء دائرة دعم نفسي، أخذ فترات راحة داخل اليوم، وتناول الطعام في مواعيد منتظمة. العقل عندما يهدأ… تهدأ المعدة معه.

الخلاصة
قرحة المعدة الناتجة عن التوتر أصبحت واحدة من أكثر الإصابات انتشارًا، خاصة بين الشباب. وفي عالم تتزايد فيه الضغوط، أصبح الاهتمام بالصحة النفسية شرطًا أساسيًا للحفاظ على صحة الجهاز الهضمي. فالقرحة ليست دائمًا من الطعام… بل من الحياة نفسها. الحكاية لا تبدأ من الحمض، بل من العقل، وتنتهي بنمط حياة يحتاج إلى تصحيح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى