نقص الأكسجين في الأنسجة.. الأستاذ الدكتور أشرف صبري يوضح دور العلاج بالأكسجين المضغوط
مي السايح
يحتاج الجسم إلى الأكسجين بصورة مستمرة حتى تتمكن الخلايا والأنسجة من أداء وظائفها الحيوية، وعندما يقل وصول الأكسجين إلى منطقة معينة من الجسم، قد تتأثر قدرتها على أداء وظائفها، وتبدأ بعض الأنسجة في التعرض للتلف، خاصة إذا استمر نقص الأكسجين لفترة طويلة.
وتُعد مشكلة نقص الأكسجين في الأنسجة من التحديات الطبية التي تحتاج إلى تشخيص دقيق لمعرفة السبب ومدى تأثر الأعضاء، وتحديد الوسيلة العلاجية المناسبة لكل حالة. ومن بين الخيارات العلاجية المستخدمة في حالات طبية محددة العلاج بالأكسجين المضغوط، الذي يعتمد على استنشاق أكسجين نقي بتركيز مرتفع داخل غرفة مخصصة ذات ضغط أعلى من الضغط الجوي الطبيعي.
ويوضح الأستاذ الدكتور أشرف صبري، استشاري العلاج بالأكسجين المضغوط والنشط، أن هذا النوع من العلاج قد يساعد في زيادة كمية الأكسجين الذائب في بلازما الدم، بما يسمح بوصوله إلى بعض الأنسجة التي تعاني من ضعف الإمداد الدموي أو نقص الأكسجين، وفقًا لطبيعة الحالة والتشخيص الطبي.
ويمتلك الأستاذ الدكتور أشرف صبري خبرة متخصصة في هذا المجال، حيث حصل على دكتوراه العلاج بالأكسجين من جامعة تولوز بفرنسا، والماجستير من جامعة رينيه دي كارت بباريس، كما يمتلك خبرة تمتد إلى 20 عامًا في العلاج بالأكسجين بالمستشفيات الفرنسية، ويشغل منصب رئيس أقسام العلاج بالأكسجين بمستشفى شرم الشيخ الدولي.
ما المقصود بنقص الأكسجين في الأنسجة؟
يحدث نقص الأكسجين في الأنسجة عندما لا تحصل الخلايا على الكمية الكافية منه لأداء وظائفها الطبيعية، وقد يكون ذلك نتيجة انخفاض تدفق الدم إلى منطقة معينة، أو وجود مشكلة في قدرة الدم على نقل الأكسجين، أو زيادة احتياجات الأنسجة مقارنة بالكمية المتاحة.
وتختلف درجة الخطورة حسب العضو المصاب ومدة نقص الأكسجين ومدى شدته؛ فقد يؤدي نقص الإمداد الدموي إلى الأطراف إلى تأخر التئام الجروح، بينما قد يتسبب نقص الأكسجين في أعضاء حيوية مثل القلب أو المخ في مضاعفات خطيرة تستدعي التدخل الطبي العاجل.
ومن أبرز الأسباب التي قد تؤدي إلى نقص الأكسجين في الأنسجة:
- ضعف الدورة الدموية الطرفية.
- انسداد أو ضيق بعض الأوعية الدموية.
- الإصابات الشديدة التي تؤثر في وصول الدم إلى الأنسجة.
- بعض أنواع التسمم التي تعيق استفادة الجسم من الأكسجين.
- تلف الأنسجة الناتج عن بعض الأمراض أو العلاجات.
- بعض حالات الالتهابات الشديدة التي تؤثر في الدورة الدموية ووظائف الأعضاء.
ويؤكد الأستاذ الدكتور أشرف صبري أن تحديد السبب الأساسي لنقص الأكسجين يمثل الخطوة الأولى في التعامل مع الحالة، لأن العلاج لا يقتصر على زيادة الأكسجين فقط، بل يجب أيضًا معالجة المشكلة التي أدت إلى نقص وصوله إلى الأنسجة.
كيف يؤثر نقص الأكسجين على الخلايا والأنسجة؟
تعتمد الخلايا على الأكسجين لإنتاج الطاقة اللازمة للقيام بوظائفها، وعندما يقل وصوله إليها، تتراجع قدرتها على إنتاج الطاقة، وقد تتأثر عمليات إصلاح الأنسجة وتجديد الخلايا.
وفي الحالات البسيطة أو المؤقتة، قد تتمكن الأنسجة من استعادة وظائفها بعد عودة تدفق الدم والأكسجين إلى مستوياته المناسبة، لكن استمرار النقص قد يؤدي إلى تلف الخلايا وموت بعضها، وظهور مضاعفات تختلف حسب طبيعة المنطقة المصابة.
ومن أبرز المشكلات المرتبطة بنقص الأكسجين:
1. تأخر التئام الجروح
تحتاج عملية التئام الجروح إلى الأكسجين للمساعدة في تكوين أنسجة جديدة، ودعم نشاط الخلايا المسؤولة عن الإصلاح، ومقاومة العدوى. لذلك قد يؤدي نقص الأكسجين إلى بطء الالتئام، خاصة لدى مرضى السكري وضعف الدورة الدموية.
2. تلف الأنسجة
قد يؤدي استمرار نقص الأكسجين إلى تضرر الخلايا، خاصة في الحالات التي تعاني من ضعف شديد في تدفق الدم، وقد تتطور بعض الحالات إلى موت الأنسجة إذا لم يتم التعامل مع السبب.
3. زيادة صعوبة مقاومة العدوى
يساهم الأكسجين في دعم بعض آليات المناعة المسؤولة عن مواجهة البكتيريا، ولذلك قد يؤثر نقصه في قدرة الجسم على مقاومة بعض أنواع العدوى داخل الأنسجة.
ما هو العلاج بالأكسجين المضغوط؟
العلاج بالأكسجين المضغوط هو إجراء طبي يتنفس خلاله المريض أكسجينًا بتركيز يصل إلى 100% داخل غرفة علاجية مخصصة، مع رفع الضغط المحيط إلى مستوى أعلى من الضغط الجوي الطبيعي.
وتوضح آلية العلاج أن زيادة الضغط تساعد على إذابة كمية أكبر من الأكسجين في بلازما الدم، وليس فقط في الهيموجلوبين الموجود داخل كرات الدم الحمراء، ما يرفع كمية الأكسجين المتاحة للانتقال إلى الأنسجة.
ويختلف العلاج بالأكسجين المضغوط عن إعطاء الأكسجين المعتاد عبر القناع أو الأنابيب الأنفية، إذ يعتمد على الجمع بين تركيز الأكسجين المرتفع والضغط المحيط، وهو ما ينتج عنه تأثير فسيولوجي مختلف.
ويشير الأستاذ الدكتور أشرف صبري إلى أن العلاج بالأكسجين المضغوط لا يُستخدم بصورة عشوائية لكل من يعاني من نقص الأكسجين، وإنما يُحدد مدى الاستفادة منه وفقًا للتشخيص، وطبيعة الإصابة، ودرجة تأثر الأنسجة، ووجود موانع أو عوامل خطورة.
كيف يساعد العلاج بالأكسجين المضغوط في تحسين حالة الأنسجة؟
توجد عدة آليات قد تفسر دور العلاج بالأكسجين المضغوط في بعض الحالات الطبية، ومن أبرزها:
1. زيادة الأكسجين الذائب في الدم
يساعد ارتفاع الضغط مع استنشاق الأكسجين النقي على زيادة كمية الأكسجين الذائب في بلازما الدم، ما قد يدعم وصوله إلى الأنسجة التي تعاني من نقص الإمداد بالأكسجين.
2. دعم التئام الجروح
يُعد الأكسجين عنصرًا مهمًا في تكوين الكولاجين وبناء الأنسجة الجديدة، ولذلك قد يساعد العلاج بالأكسجين المضغوط في تحسين ظروف التئام بعض الجروح المزمنة أو المعقدة، عند استخدامه ضمن خطة علاجية متكاملة.
3. دعم مقاومة بعض أنواع العدوى
قد يساعد ارتفاع مستوى الأكسجين داخل الأنسجة في تعزيز بعض آليات الدفاع المناعي، كما يمكن أن يحد من نمو بعض أنواع البكتيريا التي تنشط في البيئات منخفضة الأكسجين، وهو ما يفسر استخدامه في حالات محددة من العدوى الشديدة.
4. دعم تكوين الأوعية الدموية الجديدة
قد يحفز العلاج بالأكسجين المضغوط بعض العمليات البيولوجية المرتبطة بإصلاح الأنسجة وتكوين أوعية دموية جديدة، وهو ما قد يساهم في تحسين الإمداد الدموي على المدى الطويل في بعض الحالات.
5. تقليل بعض آثار الإصابات الناتجة عن نقص الأكسجين
في حالات طبية معينة، قد يساعد العلاج على تقليل بعض صور تلف الأنسجة المرتبطة بنقص الأكسجين أو الإصابة، لكن ذلك يعتمد على نوع الحالة وتوقيت التدخل ومدى توافر الأدلة الطبية على فاعلية العلاج فيها.
ما الحالات التي قد تستفيد من العلاج بالأكسجين المضغوط؟
لا يُعد العلاج بالأكسجين المضغوط مناسبًا لجميع الأمراض أو لجميع حالات ضعف الدورة الدموية، لكنه يُستخدم طبيًا في مجموعة محددة من الحالات التي تتوافر بشأنها أدلة وتوصيات علاجية.
ومن أبرز هذه الحالات:
- التسمم بأول أكسيد الكربون.
- مرض تخفيف الضغط المرتبط بالغوص.
- الانصمام الهوائي أو الغازي في الأوعية الدموية.
- بعض الجروح المزمنة التي يصعب التئامها، ومنها حالات محددة من القدم السكري.
- بعض الإصابات الشديدة التي تتعرض فيها الأنسجة للتهتك أو نقص التروية.
- بعض حالات العدوى الخطيرة، مثل الغرغرينا الغازية.
- تلف الأنسجة الناتج عن بعض مضاعفات العلاج الإشعاعي.
ويؤكد الأستاذ الدكتور أشرف صبري أن إدراج المريض ضمن إحدى هذه الفئات لا يعني بالضرورة أنه يحتاج إلى العلاج، إذ يجب تقييم الحالة بصورة فردية، ومراجعة العلاجات الأخرى المطلوبة، وتحديد الفائدة المتوقعة من إضافة الأكسجين المضغوط إلى الخطة العلاجية.
هل العلاج بالأكسجين المضغوط مناسب لكل المرضى؟
رغم الفوائد الطبية التي يمكن أن يقدمها العلاج بالأكسجين المضغوط في الحالات المناسبة، فإنه ليس إجراءً خاليًا من المخاطر، كما توجد حالات تحتاج إلى احتياطات خاصة قبل البدء فيه.
ومن أبرز الآثار الجانبية المحتملة:
- ألم أو ضغط في الأذن نتيجة تغير الضغط.
- إصابات الأذن الوسطى أو الجيوب الأنفية في بعض الحالات.
- تغيرات مؤقتة في الرؤية.
- الشعور بالقلق أو عدم الارتياح داخل غرفة العلاج.
- نادرًا، قد تحدث تشنجات مرتبطة بسمية الأكسجين أو إصابات رئوية.
ويُعد وجود استرواح صدري غير معالج من أهم موانع العلاج بالأكسجين المضغوط، كما تستدعي بعض أمراض الرئة والحالات الصحية الأخرى تقييمًا دقيقًا قبل استخدامه.
لماذا يحتاج المريض إلى تقييم طبي قبل العلاج؟
يختلف تأثير نقص الأكسجين من حالة إلى أخرى، ولذلك لا يمكن تحديد عدد الجلسات أو مدة العلاج بصورة موحدة لجميع المرضى.
ويعتمد التقييم على معرفة التاريخ المرضي، والفحص السريري، ونتائج التحاليل والفحوصات اللازمة، إلى جانب تحديد طبيعة الإصابة ومدى تأثر الأنسجة.
ويوضح الأستاذ الدكتور أشرف صبري أن العلاج بالأكسجين المضغوط يجب أن يكون جزءًا من خطة علاجية متكاملة، وليس بديلًا عن علاج السبب الرئيسي للمشكلة، سواء كان ضعف الدورة الدموية أو العدوى أو الإصابة أو غير ذلك.




