تحت ظل أب نرجسي: كيف ينشأ الأطفال بين الخوف وإرضاء الآخر؟
كتبت: ريم صابر
قد يبدو الأب في نظر المجتمع ناجحًا، قويًا، وصاحب حضور طاغٍ، لكن خلف الأبواب المغلقة قد يعيش الأطفال واقعًا مختلفًا تمامًا، فحين تسيطر النرجسية على علاقة الأب بأبنائه، تتحول التربية إلى اختبار نفسي يومي، يتأرجح فيه الطفل بين الخوف المستمر ومحاولات لا تنتهي لإرضاء الآخر.
كيف ينشأ الأطفال بين الخوف وإرضاء الآخر؟
في الطب النفسي، لا تُقاس الطفولة السليمة بتوافر الطعام والملبس فقط، بل بوجود الأمان العاطفي والشعور غير المشروط بالقبول، لكن حين يكون الأب مصابًا باضطراب الشخصية النرجسية، تتحول الأسرة إلى بيئة مضطربة نفسيًا، ويكبر الأطفال وهم يحملون عبئًا نفسيًا ثقيلًا قد يلازمهم لسنوات طويلة دون أن يدركوا مصدره الحقيقي.
ما هى النرجسية الأبوية من منظور نفسي؟
النرجسية الأبوية ليست مجرد حب زائد للذات، بل نمط سلوكي يتسم بالحاجة المستمرة للإعجاب، وانعدام التعاطف، والسيطرة على الآخرين، خاصة الأبناء، ويرى الأب النرجسي أبناءه امتدادًا لصورته الاجتماعية، لا أفرادًا لهم مشاعر مستقلة، فيكافئهم فقط عندما يرفعون من شأنه، ويعاقبهم نفسيًا عندما يخرجون عن توقعاته.
كيف يشعر الطفل؟
ينشأ الطفل في حالة ترقب دائم، لا يعرف متى يرضى الأب ومتى يغضب، هذا الجو المشحون يولّد قلقًا مزمنًا، ويجعل الطفل يتعامل بحذر مفرط، مراقبًا كلماته وتصرفاته، ومع الوقت، يتعلم الطفل أن الحب مشروط، وأن عليه أن يكون “مثاليًا” كي يستحق القبول.

الخوف كوسيلة تربية
غالبًا ما يستخدم الأب النرجسي الخوف كأداة للسيطرة، سواء بالصراخ، أو التحقير، أو المقارنة الدائمة بأطفال آخرين، هذا الأسلوب لا يعلّم الانضباط بقدر ما يزرع شعورًا دائمًا بالدونية، ويُضعف ثقة الطفل بنفسه، ويجعله عاجزًا عن اتخاذ قراراته لاحقًا دون موافقة الآخرين.
كيف يمتد أثر الطفولة القاسية إلى علاقات غير صحية لاحقًا؟
أحد أخطر الآثار النفسية هو تحوّل الطفل إلى شخص يسعى لإرضاء الجميع على حساب نفسه، يتعلم مبكرًا تجاهل احتياجاته ومشاعره، ويصبح بارعًا في قراءة مزاج الآخرين، ليس بدافع الذكاء الاجتماعي، بل خوفًا من الرفض أو العقاب، هذه السمة قد تستمر حتى الرشد، فتنعكس في علاقات عاطفية غير صحية.
آثار طويلة المدى تمتد إلى البلوغ
تشير دراسات نفسية إلى أن أبناء الآباء النرجسيين أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، واضطرابات القلق، وضعف تقدير الذات، وقد يعانون من صعوبة وضع حدود في العلاقات، أو الانجذاب لشركاء يكررون نفس نمط السيطرة، وكأن النفس تعيد تمثيل الجرح القديم بحثًا عن شفاء لم يكتمل.
هل يدرك الأب النرجسي الأذى الذي يسببه؟
في الغالب، يفتقر الأب النرجسي للبصيرة الذاتية، ولا يرى نفسه مخطئًا، بل قد يبرر سلوكه على أنه “حرص” أو “تربية صارمة”، رافضًا أي نقد، هذا الإنكار يزيد من معاناة الأبناء، ويجعل الاعتراف بالأذى خطوة شاقة لكنها ضرورية للعلاج النفسي لاحقًا.
طريق التعافي: هل يمكن الشفاء؟
التعافي ممكن، لكنه يبدأ بالوعي، فإدراك ما حدث لم يكن خطأ الطفل، بل نمطًا مرضيًا، يساعد على كسر دائرة اللوم الذاتي، والعلاج النفسي، خاصة العلاج المعرفي السلوكي، يلعب دورًا محوريًا في إعادة بناء الثقة بالنفس، وتعلّم وضع حدود صحية، واستعادة الصوت الداخلي الذي تم قمعه لسنوات.




