الدكتورة نرمين توكل تكتب: بناء الإنسان قبل العمران: كيف تصنع المعرفة والإنسانية أمة لا تُهزم؟
مي السايح
في الثاني عشر من أغسطس كل عام، يستوقف العالم تاريخٌ واحد ليتأمل طاقته المحركة ووقوده المستقبلي: “اليوم العالمي للشباب”.
غير أن الحديث عن هذه الفئة الفتية لا ينبغي أن يظل أسير الشعارات الرنانة أو الاحتفالات العابرة، بل يتطلب وقفة صادقة أمام الركائز الحقيقية التي تُبنى بها العقول، وتُصقل بها النفوس، وتتحقق بها النهضة الشاملة للمجتمعات.
إن صياغة شخصية الشباب وتطوير قدراتهم لم يعد خيارًا رفاهيًا، بل هو ضرورة وجودية تبدأ من ثلاثية متكاملة تندمج فيها الأبعاد المعرفية والعملية بصورة لا تقبل التجزئة؛ فالوعي هو الحصن المنيع الذي يحمي العقل من الزيف ويمكّن الشاب من قراءة الواقع بفهم ثاقب، تتصل به الثقافة كمدى يوسع المدارك ويصل الحاضر بالجذور، ليأتي التدريب والتأهيل كجسر ينقل تلك المعارف إلى مهارات إنتاجية حقيقية تمكّن الشباب من مواكبة تسارع العصر، وتحول الطاقات المعطلة إلى قوة محركة لنهضة الوطن.
غير أن هذا البناء الفكري والمهني بكامل قوته يظل هيكلًا صلبًا بلا روح ما لم يُتوَّج بالجوهر الحقيقي للوجود البشري، المتمثل في القيم الإنسانية وترسيخ مبدأ إحترام الآخر. إن الكرامة الإنسانية مبدأ مطلق لا يتجزأ، ولا يجوز بحال من الأحوال أن تخضع لتقييمات مادية، أو مناصب وظيفية، أو درجات علمية؛ إذ إن قيمة الإنسان تكمن في ذاته وحقيقة وجوده، لا فيما يملك من ثروة أو يتقلد من منصب.
ويتجلى هذا الإحترام في أبهى صوره من خلال “أدبيات السلوك والذوق الرفيع” في التعامل اليومي؛ فتلك الكلمات البسيطة التي تحمل في طياتها نبل الأخلاق — مثل: “من فضلك”، “بعد إذنك”، “لو سمحت”، و”حضرتك” — ليست مجرد مجاملات عابرة أو كلف شكلية، بل هي ترجمة حية لتقدير الذات البشرية، وواجب ديني وأخلاقي يفتح القلوب قبل الأبواب.
إن الالتزام بهذه الذوقيات واللطف الكلامي يضفي على العلاقات الإنسانية والمهنية لمسة من الرقي، ويجعل لغة الحوار بين أفراد المجتمع لغة بناء وتفاهم لا لغة استعلاء، فيشعر الجميع بالتقدير والمساواة.
وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى جعل هذه اللمسات الأخلاقية منهج حياة وأسلوب تعامل تلقائي ينبع من المحبة والتقدير، ليصبح التعبير عن الطلب أو النقد محفوفًا بالاحترام والمودة.
فحين يقترن الوعي المعرفي والتدريب الميداني بالخلق الرفيع والذوق الإنساني الأصيل، نكون أمام جيل متكامل يملك اليد التي تبني، والعقل الذي يفكر، واللسان العذب الذي يجمع القلوب، ليبقى الاستثمار في الشباب – تفكيرًا وتدريبًا وأخلاقًا – هو الرهان الأضمن لمستقبل أكثر تقدمًا وأكثر إنسانية.
إقرأ أيضًا: دكتوره نرمين توكل تكتب: أمانة التربية.. حينما تدفع البراءة ثمن “استهتار” عابر




