لماذا يعود بعض المتعافين إلى الإدمان بعد فترة من التوقف؟.. الدكتور طارق البلاسي يوضح العوامل المؤثرة
مي السايح

الانتكاسة بعد التعافي من الإدمان من التحديات التي قد يواجهها بعض الأشخاص خلال رحلة العلاج، حتى بعد مرور فترة طويلة من التوقف عن التعاطي. وقد يعتقد البعض أن العودة إلى التعاطي تعني فشل العلاج أو ضعف الإرادة، لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ إذ تتداخل عوامل نفسية وبيولوجية واجتماعية قد تزيد احتمالات الانتكاسة، ما يجعل فهم هذه العوامل خطوة مهمة للوقاية منها.
ويوضح الدكتور طارق البلاسي، استشاري الطب النفسي وطب المخ والأعصاب، أن التعافي من الإدمان لا يقتصر على التوقف عن استخدام المادة المخدرة، بل يشمل أيضًا التعامل مع الأسباب التي أدت إلى التعاطي، وتطوير أساليب صحية لمواجهة الضغوط، والاستمرار في المتابعة والعلاج وفقًا لاحتياجات كل حالة.
ما المقصود بالانتكاسة بعد التعافي من الإدمان؟
تُشير الانتكاسة إلى العودة إلى استخدام المادة المخدرة بعد فترة من التوقف عنها، وقد تحدث بعد أيام أو شهور أو حتى سنوات من التعافي.
ولا تعني الانتكاسة بالضرورة أن الشخص فقد كل ما حققه خلال رحلة العلاج، لكنها قد تكون علامة على الحاجة إلى مراجعة الخطة العلاجية، وتحديد العوامل التي سبقت العودة إلى التعاطي، وتعزيز وسائل الوقاية والدعم.
ويشرح الدكتور طارق البلاسي أن التعامل مع الانتكاسة باعتبارها مشكلة تحتاج إلى فهم وعلاج، بدلًا من توجيه اللوم إلى المتعافي، يساعد على تشجيعه على طلب المساعدة والعودة إلى مسار التعافي.
1. الضغوط النفسية والمشكلات الحياتية
تُعد الضغوط النفسية من العوامل التي قد تزيد احتمالات العودة إلى التعاطي لدى بعض المتعافين، خاصة عندما يواجه الشخص مشكلات في العمل أو الأسرة أو العلاقات الاجتماعية، دون امتلاك وسائل فعالة للتعامل معها.
وقد يلجأ البعض إلى التعاطي مجددًا باعتباره وسيلة مؤقتة للهروب من مشاعر الحزن أو القلق أو الغضب، رغم أن هذا السلوك قد يعيد تنشيط دائرة الاعتماد على المادة المخدرة.
ويوضح الدكتور طارق البلاسي أن تعلم مهارات التعامل مع الضغوط، والتعبير عن المشاعر بطريقة صحية، وطلب الدعم النفسي عند الحاجة، من الجوانب المهمة في خطة التعافي.
2. الاكتئاب والقلق واضطرابات الصحة النفسية
قد تتزامن اضطرابات نفسية، مثل الاكتئاب واضطرابات القلق، مع مشكلة الإدمان، وقد تكون موجودة قبل بدء التعاطي أو تظهر خلال رحلة التعافي.
وعندما تستمر هذه الاضطرابات دون تشخيص أو علاج مناسب، قد يجد الشخص صعوبة في التعامل مع مشاعره وأفكاره، وهو ما قد يزيد خطر العودة إلى التعاطي لدى بعض الحالات.
ويشير الدكتور طارق البلاسي إلى أهمية تقييم الحالة النفسية للمتعافي بصورة متكاملة، وعدم التركيز على الإدمان بمعزل عن المشكلات النفسية المصاحبة له، مع تحديد العلاج المناسب وفقًا للتشخيص.
3. الرغبة الشديدة في التعاطي والمحفزات المرتبطة بالماضي
قد يواجه المتعافي رغبة شديدة في التعاطي، تُعرف بالرغبة الملحّة أو الاشتهاء، حتى بعد مرور فترة من التوقف.
وقد ترتبط هذه الرغبة بمواقف أو أماكن أو أشخاص أو مشاعر كانت مرتبطة بالتعاطي في الماضي. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي المرور بمكان اعتاد الشخص التعاطي فيه، أو التواصل مع رفاق التعاطي السابقين، إلى استثارة ذكريات ورغبات يصعب التعامل معها دون استعداد.
ويوضح الدكتور طارق البلاسي أن التعرف على هذه المحفزات مسبقًا، وتجنب المواقف عالية الخطورة عندما يكون ذلك ممكنًا، والتدرب على التعامل مع الرغبة الملحّة، يساعد على تقليل احتمالات الانتكاسة.
4. الابتعاد عن المتابعة العلاجية
قد يعتقد بعض المتعافين أنهم لم يعودوا بحاجة إلى المتابعة بعد تحسن حالتهم أو مرور فترة طويلة دون تعاطٍ، فيتوقفون عن حضور الجلسات العلاجية أو يتخلون عن الخطة المتفق عليها مع الفريق المعالج.
لكن التعافي عملية مستمرة، وقد يحتاج الشخص إلى متابعة نفسية وطبية لفترة تختلف من حالة إلى أخرى، وفقًا لنوع المادة المستخدمة، ومدة الاعتماد عليها، والحالة الصحية والنفسية، والظروف المحيطة به.
ويؤكد الدكتور طارق البلاسي أن إيقاف العلاج أو تغيير الأدوية دون استشارة الطبيب قد يعرّض المتعافي لمخاطر، وأن أي تعديل في الخطة العلاجية ينبغي أن يتم تحت إشراف المختص.
5. العودة إلى البيئة المرتبطة بالتعاطي
قد تؤثر البيئة المحيطة بالمتعافي في قدرته على الاستمرار في التعافي، خاصة إذا ظل على اتصال بأشخاص يشجعونه على التعاطي أو يتعرض باستمرار لمواقف مرتبطة باستخدام المخدرات.
كما أن الشعور بالعزلة أو غياب الدعم الأسري والاجتماعي قد يزيد صعوبة مواجهة الرغبة في التعاطي، خصوصًا خلال فترات الأزمات والضغوط.
ويشير الدكتور طارق البلاسي إلى أهمية بناء شبكة دعم تساعد المتعافي على الاستمرار، سواء من خلال أفراد الأسرة الموثوق بهم أو مجموعات الدعم أو المتخصصين في علاج الإدمان، مع وضع حدود واضحة للعلاقات والمواقف التي قد تهدد التعافي.
6. الاعتقاد بأن التوقف وحده يعني اكتمال التعافي
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الامتناع عن التعاطي لفترة معينة يعني انتهاء المشكلة تمامًا، دون الحاجة إلى تغيير السلوكيات والعادات المرتبطة بها.
فالتعافي لا يقتصر على التوقف عن المادة المخدرة، بل يشمل تحسين القدرة على التعامل مع المشاعر والضغوط، وتنظيم الحياة اليومية، واستعادة العلاقات الاجتماعية، والالتزام بالخطة العلاجية.
ويوضح الدكتور طارق البلاسي أن فهم الأسباب التي دفعت الشخص إلى التعاطي في البداية يساعد على بناء خطة أكثر ملاءمة لاحتياجاته، ويمنحه أدوات عملية للتعامل مع المواقف التي قد تزيد خطر الانتكاسة.
كيف يمكن تقليل احتمالات الانتكاسة بعد التعافي؟
هناك مجموعة من الخطوات التي قد تساعد على دعم التعافي وتقليل احتمالات العودة إلى التعاطي، من أبرزها:
- الالتزام بالمتابعة العلاجية: وعدم إيقاف العلاج أو تغيير الأدوية دون الرجوع إلى الطبيب.
- التعرف على المحفزات: مثل الضغوط النفسية أو الأماكن أو العلاقات المرتبطة بالتعاطي السابق.
- تعلم إدارة الضغوط: من خلال العلاج النفسي وتطوير طرق صحية للتعامل مع المشكلات اليومية.
- علاج الاضطرابات المصاحبة: مثل الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم، عندما تكون موجودة.
- الاستعانة بالدعم الأسري والاجتماعي: مع الحفاظ على الخصوصية وتجنب اللوم أو الوصم.
- تنظيم نمط الحياة: من خلال النوم المنتظم والنشاط البدني والأنشطة اليومية المفيدة، بما يتناسب مع الحالة الصحية.
- طلب المساعدة مبكرًا: عند زيادة الرغبة في التعاطي أو الشعور بصعوبة السيطرة عليها، بدلًا من انتظار حدوث الانتكاسة.
ويجب الانتباه إلى أن هذه الخطوات لا تضمن منع الانتكاسة تمامًا، لكنها قد تساعد على إدارة عوامل الخطورة ودعم استمرار التعافي.
ماذا تفعل الأسرة إذا عاد المتعافي إلى التعاطي؟
قد تشعر الأسرة بالصدمة أو الغضب أو الإحباط عند اكتشاف عودة أحد أفرادها إلى التعاطي، لكن رد الفعل في هذه المرحلة قد يؤثر في مدى استعداده لطلب المساعدة.
ويُفضَّل التعامل مع الموقف بهدوء، وتجنب الإهانة أو التهديد أو وصف الشخص بالفشل، مع تشجيعه على التواصل مع الطبيب أو فريق علاج الإدمان لمراجعة الخطة العلاجية.
كما ينبغي عدم تجاهل المخاطر الصحية المحتملة؛ فقد تكون العودة إلى التعاطي بعد فترة من التوقف خطيرة، لأن قدرة الجسم على تحمل المادة قد تنخفض، خصوصًا مع بعض المواد الأفيونية، ما يزيد خطر الجرعة الزائدة. وإذا ظهرت علامات مثل فقدان الوعي أو بطء التنفس أو صعوبة إيقاظ الشخص، فيجب طلب الإسعاف فورًا.
متى يحتاج المتعافي إلى تدخل متخصص؟
تستدعي زيادة الرغبة في التعاطي، أو تكرار التفكير في العودة إليه، أو الابتعاد عن المتابعة العلاجية، التواصل المبكر مع المختصين لمراجعة خطة التعافي.
أما إذا حدثت العودة بالفعل، فمن المهم طلب تقييم متخصص في أقرب وقت، دون انتظار تفاقم المشكلة. وقد تتطلب بعض الحالات تدخلًا طبيًا عاجلًا، خاصة عند وجود أعراض انسحاب خطيرة أو اضطرابات شديدة في الوعي أو التنفس.
ويؤكد الدكتور طارق البلاسي أن التعامل مع الإدمان يحتاج إلى فهم طبي ونفسي متكامل، وأن الخطة المناسبة تختلف باختلاف طبيعة المادة المستخدمة والحالة الصحية والنفسية والظروف الاجتماعية لكل شخص.
للتواصل مباشرة مع الدكتور طارق البلاسي.. اضغط هنا




