بعد واقعة الإهانة داخل مدرسة المحجوب للغات بالإسكندرية… هل أصبح احترام المعلم رفاهية؟

كتبت هبة صلاح

أثارت واقعة إهانة معلمة داخل مدرسة المحجوب للغات بالإسكندرية عاصفة من الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد انتشار فيديو يُظهر مجموعة من الطلاب يستهزئون بمعلمتهم داخل الفصل في مشهد اعتبره كثيرون دليلاً على أزمة تربوية باتت تهدد منظومة التعليم المصرية.
الواقعة التي تحولت إلى قضية رأي عام دفعت وزير التعليم لإعلان قرار حاسم: فصل الطلاب المتورطين لمدة عام دراسي كامل، مع منعهم من القيد بأي مدرسة أخرى حتى العام المقبل.
المعلمة من جانبها وصفت القرار بأنه “رادع” و”يحمي كرامة المعلم التي يجب أن تبقى خطًا أحمر”.

لكن بعد إجراءات الوزارة، يبقى السؤال الأخطر والواجب مناقشته بعمق:

من المسؤول الحقيقي؟ الطلاب… أم الأسر… أم المجتمع… أم السوشيال ميديا؟


أولاً: هل الأطفال حقاً مذنبون… أم ضحايا مرحلة؟

رغم بشاعة ما ظهر في الفيديو، فإن تحميل الأطفال وحدهم مسؤولية السلوك يبدو طرحًا قاصرًا.
فنحن أمام جيل يتعرض لضغط نفسي واجتماعي غير مسبوق، ويعيش داخل عالم مفتوح بلا رقابة، وتُعاد فيه صياغة القيم يوميًا عبر الإنترنت.
لكن هذا لا ينفي أن بعض المدارس تعاني من ضعف في الانضباط، وغياب الردع، وتراجع مساحات الاحترام المتبادل.

الخبراء يؤكدون أن الطفل لا يكتسب السلوك المسيء فجأة؛ بل هو نتاج تربية ومنظومة تعامل وصورة ذهنية للمعلم تتشكل خلال سنوات.


ثانياً: الأسرة… الحلقة الأولى في صناعة الاحترام

لا يمكن تجاهل دور الأسرة، مهما حاول البعض تحميل المدارس المسؤولية وحدها.
فالطفل الذي يشاهد الأب أو الأم يتحدثان بسخرية عن المدرسين، أو يبرران أخطاءه دائمًا، أو يتدخلان في كل خلاف لصالحه دون تقييم الحقيقة…
ذلك الطفل سينشأ معتقدًا أن المعلم موظف يمكن تحديه، وليس قدوة يجب احترامها.

وتشير دراسات تربوية إلى أن 70% من سلوكيات disrespect لدى المراهقين تبدأ من غياب الثواب والعقاب داخل المنزل، مما يجعل المدرسة تواجه طفلاً بلا قواعد.


ثالثاً: المدرسة… هل ما زالت تمارس دورها التربوي؟

مدرسة المحجوب للغات — مثلها مثل كثير من المدارس — تواجه تحديًا في ضبط السلوك داخل الفصول مع جيل أصبح أكثر اندفاعًا وتجرؤًا.
ورغم أن الواقعة فردية، إلا أنها تفتح الباب أمام ضرورة تقييم برامج الانضباط المدرسي، تدريب المدرسين على التعامل مع الطلاب، ووجود آليات حماية تحترم المعلم ولا تهدر الطالب.

فالمدرسة ليست مكانًا لتلقين الدروس فقط، بل فضاء لبناء الشخصية. وحين تتراجع السلطة التربوية لصالح “التصوير والضحك والسخرية”، فإن النتيجة تكون مثل فيديو الإسكندرية.


رابعاً: السوشيال ميديا… صناعة جيلٍ لا يعرف الخطوط الحمراء

لا يمكن إنكار أن السوشيال ميديا أصبحت الأب الروحي للسلوك عند كثير من المراهقين:

  • محتوى يسخر من المعلمين.
  • ترندات تشجع على التمرد.
  • مقاطع تُظهر “البطل” هو من يتحدى السلطة.
  • موجة من “الفلوجرز” الذين يدفعون المراهقين إلى تقليدهم بحثًا عن لفت الأنظار.

جيل اعتاد أن يقيّم نفسه بعدد المشاهدات وليس بعدد المبادئ، وهذا ما يجعل السلوكيات الخارجة تبدو “بطولية” في أعين البعض.

والسؤال هنا:
هل كان الأطفال سيقدمون على هذه الإهانة لو لم تكن الكاميرا مفتوحة؟
الأغلب: لا.


خامساً: هل نلوم المجتمع؟

المجتمع الذي تراجع فيه احترام الكبار، وتبدلت فيه صورة المعلم من رمز إلى مادة للسخرية في بعض الأعمال الدرامية، هو مجتمع يمهد الطريق لهذه السلوكيات.
حين يصبح “الاحترام” قيمة ثانوية في الخطاب العام… فلا عجب أن يبحث الطفل عن قدوته على تيك توك بدلًا من المدرسة.


سادساً: الحل… قبل أن نخسر الجيل كله

لا يكفي قرار الفصل.
التربية ليست عقابًا فقط، بل منظومة كاملة يجب أن تتعاون فيها جميع الأطراف:

1. الأسرة:

إعادة بناء مفهوم الاحترام والانضباط داخل المنزل.

2. المدرسة:

استخدام برامج تعديل السلوك، وليس الاكتفاء بالتوبيخ.

3. الوزارة:

إطلاق حملات قومية لحماية المعلم وإحياء قيمته.

4. المجتمع والإعلام:

وقف المحتوى الذي يهين التعليم أو يصور الطالب المتمرد كبطل.

5. السوشيال ميديا:

فرض رقابة على المحتوى المسيء، ودعم حملات تحترم المعلم.


خاتمة:

خلف أسوار مدرسة المحجوب للغات بالإسكندرية، حدثت واقعة صادمة… لكنها ليست النهاية.
هي جرس إنذار يخبرنا أن الأزمة تربوية قبل أن تكون تعليمية، وأن احترام المعلم لا يُبنى بقرار وزاري فقط، بل بتعاون أسرة ومدرسة ومجتمع وإعلام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى