الكلاب الضالة .. الرحمة لا تعني الفوضى والأمان لا يستدعي القسوة

الكاتب الصحفي محمد طنطاوي يكتب:
قتلُ الحيوانات أو الدعوةُ إلى تسميمها قسوةٌ ترفضها الأديانُ والأعرافُ والضمائر، فالرحمةُ بكلِّ كائنٍ حيٍّ حياةٌ لإنسانيتنا. لكن الرحمة الحقيقية لا تكون بالشعارات فقط، بل بإدارةٍ مسؤولةٍ تحمي الإنسان والحيوان معًا.
مشكلة تتفاقم في الشوارع
لا يمكن تجاهل التزايد الكبير والمقلق للكلاب في الشوارع، وهو أمرٌ أصبح يشكّل خطرًا حقيقيًا على المواطنين، خصوصًا الأطفال. هذه الظاهرة لم تعد مجرد ملاحظة يومية، بل تحولت إلى قضية أمنٍ صحيٍّ ومجتمعي تتطلب حلولًا عاجلة ومنظمة.
الدولة مسؤولة عن حماية المواطنين، كما أنها مسؤولة عن حماية الحيوانات من الأذى وسوء المعاملة، من خلال برامج علمية للسيطرة على التكاثر، وتوفير أماكن إيواء مناسبة، وإبعاد الكلاب عن المناطق السكنية المزدحمة.
فتنة مجتمعية لا تحلّ المشكلة
للأسف، تحوّل هذا الملف إلى حالةٍ من الجدل الحاد والفتنة المجتمعية، وصلت في بعض الأماكن إلى تراشقٍ واعتداءاتٍ متبادلة بين فريقين:
فريق يدافع عن وجود الكلاب في الشوارع مهما كان الخطر.
وفريق يطالب بإنهاء وجودها بطرقٍ قاسية مثل القتل أو التسميم.
وبين الطرفين تضيع المصلحة العامة، بينما المشكلة تستمر في التفاقم.
عبء صحي واقتصادي متزايد
القضية لم تعد إنسانية فقط، بل أصبحت عبئًا اقتصاديًا وصحيًا كبيرًا، مع إنفاق ملايين الجنيهات يوميًا في المستشفيات على علاج حالات العقر وتوفير الأمصال. وتشير الأرقام المتداولة إلى وصول حالات العقر إلى نحو 1.7 مليون حالة خلال عام واحد، وهو رقم يدعو للقلق ويؤكد ضرورة التدخل السريع.
الرحمة لا تعني الفوضى
لا ينبغي أن نغفل دور المجتمع المدني وجمعيات الرفق بالحيوان في نشر الوعي بأن الرحمة بالحيوان لا تعني تعريض الناس للخطر، كما أن الخوف من الكلاب لا يبرّر القسوة أو الاعتداء عليها.
الأديان السماوية جميعها دعت إلى الرحمة بالحيوان، لكنها في الوقت نفسه أكدت على حفظ النفس البشرية ومنع الضرر.
ممارسات خاطئة تزيد الأزمة
من المفارقات المؤلمة:
التشكيك في حوادث العقر أو التقليل من خطورتها.
إلقاء الطعام في الشوارع لإطعام الكلاب، مما يؤدي إلى القاذورات وزيادة تجمعها وانتشار الأمراض.
التعامل مع المشكلة بعاطفة فقط دون حلول عملية.
هذه الممارسات، رغم حسن النية أحيانًا، تؤدي إلى تفاقم الأزمة بدلًا من حلها.

الحلول الممكنة
- الحل لا يكون بالصراع، بل بالتعاون بين الجميع:
تدخل حكومي حاسم لتنظيم الملف.
برامج تعقيم وتطعيم منظمة.
إنشاء ملاجئ للحيوانات.
حملات توعية مجتمعية.
تطبيق القوانين التي تحمي الإنسان والحيوان.
دعم جمعيات الرفق بالحيوان للمشاركة في الحلول الواقعية.
إذا كان البعض يحب الكلاب حقًا، فحمايتها تكون بإبعادها عن الخطر في الشوارع وتوفير بيئة آمنة لها.
مسؤولية مشتركة.
علينا أن نثق في قدرة الدولة على إدارة هذا الملف، وأن يدعم المجتمع هذه الجهود بوعيٍ ومسؤولية.
فالرحمة بالحيوان لا تتعارض مع حماية الإنسان، وحماية المجتمع لا تعني القسوة.
إنسانيتنا الحقيقية تظهر عندما نحمي الطفل والشارع والحيوان معًا، قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمةٍ أكبر في المستقبل.




