العناد والعصبية عند الأطفال.. الدكتور أسامة عبد الجواد يوضح متى يحتاج الطفل إلى تقييم نفسي

مي السايح

يواجه كثير من الآباء والأمهات نوبات متكررة من العناد والعصبية لدى أطفالهم، خاصة في السنوات الأولى من العمر، عندما يبدأ الطفل في التعبير عن رغباته ومحاولة الاستقلال بقراراته. وقد تظهر هذه السلوكيات في صورة رفض تنفيذ الأوامر، أو نوبات غضب شديدة، أو بكاء متكرر، أو صعوبة في تقبل القواعد التي تضعها الأسرة.

ويوضح الدكتور أسامة عبد الجواد، استشاري الطب النفسي ورئيس قسم الطب النفسي، أن العناد ونوبات الغضب قد يكونان جزءًا من التطور الطبيعي للطفل في بعض المراحل العمرية، لكن استمرار السلوك بصورة شديدة أو تأثيره في العلاقات الأسرية والدراسة والتفاعل الاجتماعي قد يستدعي تقييمًا نفسيًا متخصصًا.

ويؤكد الدكتور أسامة عبد الجواد أن الهدف من التقييم النفسي ليس وصف الطفل بأنه مشاغب أو عنيد، وإنما فهم أسباب السلوك ومساعدة الطفل والأسرة على التعامل معه بطريقة مناسبة.

لماذا يصبح الطفل عنيدًا وعصبيًا؟

يشير الدكتور أسامة عبد الجواد إلى أن العناد والعصبية ليس لهما سبب واحد، فقد يرتبطان بعمر الطفل وطريقة تعبيره عن مشاعره، أو بصعوبة التعامل مع الإحباط، أو بالتغيرات التي تحدث في البيئة المحيطة به.

ومن الأسباب والعوامل المحتملة:

  • الرغبة في الاستقلال: يحاول الطفل، خاصة في السنوات الأولى، اتخاذ قراراته بنفسه، وقد يرفض تعليمات والديه للتعبير عن رغبته في الاستقلال.
  • عدم القدرة على التعبير عن المشاعر: قد يلجأ الطفل إلى الصراخ أو البكاء عندما لا يستطيع التعبير بالكلمات عن الغضب أو الخوف أو الإحباط.
  • التعب وقلة النوم: قد تؤدي قلة النوم أو الجوع والإرهاق إلى زيادة سرعة الانفعال وصعوبة التحكم في السلوك.
  • التغيرات الأسرية: قد تؤثر الخلافات بين الوالدين أو الانتقال إلى منزل جديد أو استقبال مولود جديد في سلوك الطفل.
  • عدم ثبات القواعد: قد يؤدي اختلاف ردود فعل الوالدين تجاه السلوك نفسه إلى ارتباك الطفل وزيادة تكرار الخلافات.
  • صعوبات التعلم أو التفاعل الاجتماعي: قد يظهر الإحباط في صورة عصبية أو رفض للتعليمات عندما يواجه الطفل صعوبة في المدرسة أو في التواصل مع الآخرين.

ويوضح الدكتور أسامة عبد الجواد أن فهم الظروف التي يظهر فيها السلوك يساعد على تحديد طريقة التعامل المناسبة، بدلًا من الاكتفاء بالعقاب أو وصف الطفل بصفات سلبية.

متى يكون العناد طبيعيًا في مرحلة الطفولة؟

يؤكد الدكتور أسامة عبد الجواد أن الأطفال يمرون بمراحل يختبرون خلالها الحدود والقواعد، وقد يرفضون بعض التعليمات أو يصرون على تنفيذ رغباتهم، خاصة في مرحلة ما قبل المدرسة.

وقد تكون نوبات الغضب وسيلة الطفل للتعبير عن مشاعر لا يستطيع تنظيمها بصورة كاملة، لا سيما عندما يشعر بالتعب أو الإحباط أو عدم القدرة على الحصول على ما يريد.

لكن التمييز بين السلوك الطبيعي والسلوك الذي يحتاج إلى تقييم يعتمد على عدة عوامل، منها عمر الطفل، وشدة نوبات الغضب، ومدى تكرارها، والمدة التي تستمر خلالها، وتأثيرها في الحياة اليومية.

ويشير الدكتور أسامة عبد الجواد إلى أن مقارنة الطفل بغيره من الأطفال ليست وسيلة دقيقة للحكم على نموه النفسي والسلوكي؛ فلكل طفل ظروفه واحتياجاته، ويجب النظر إلى سلوكه في سياقه العام.

علامات تشير إلى حاجة الطفل لتقييم نفسي

يوضح الدكتور أسامة عبد الجواد أن هناك علامات تستحق الانتباه، خاصة عندما تتكرر أو تؤثر بوضوح في حياة الطفل وأسرته.

ومن أبرز هذه العلامات:

  1. نوبات غضب شديدة ومتكررة يصعب تهدئة الطفل خلالها.
  2. استمرار العناد بصورة تؤثر في الحياة اليومية والعلاقات داخل الأسرة.
  3. العدوان المتكرر تجاه الآخرين أو إيذاء النفس أثناء نوبات الغضب.
  4. صعوبة واضحة في تكوين علاقات مع الأطفال الآخرين أو الحفاظ عليها.
  5. تراجع ملحوظ في الأداء الدراسي أو رفض مستمر للذهاب إلى المدرسة.
  6. تغير مفاجئ في السلوك، مثل الانعزال أو الخوف الشديد أو اضطرابات النوم.
  7. ظهور السلوك في أكثر من بيئة، مثل المنزل والمدرسة، وتأثيره في قدرة الطفل على ممارسة أنشطته المعتادة.

ويؤكد الدكتور أسامة عبد الجواد أن وجود علامة واحدة لا يعني بالضرورة إصابة الطفل باضطراب نفسي، لكن استمرار الأعراض أو شدتها أو تأثيرها في سلامة الطفل والآخرين يستدعي طلب المشورة المتخصصة.

أما إذا كان الطفل يؤذي نفسه أو الآخرين بصورة تعرضهم للخطر، فيجب إعطاء الأولوية لتأمين المكان وطلب المساعدة المناسبة دون تأخير.

كيف يتعامل الوالدان مع عناد الطفل وعصبيته؟

يشير الدكتور أسامة عبد الجواد إلى أن طريقة تعامل الأسرة قد تساعد الطفل على تعلم تنظيم مشاعره والتعبير عن احتياجاته بطريقة أفضل، وأن الصراخ والعقاب القاسي قد يزيدان التوتر لدى بعض الأطفال، بدلًا من مساعدتهم على فهم السلوك المطلوب.

ومن الأساليب التي يمكن أن تساعد الأسرة:

1. الحفاظ على الهدوء أثناء نوبة الغضب

ينصح الدكتور أسامة عبد الجواد بأن يحاول الوالدان التحدث بنبرة هادئة وواضحة، مع تجنب الدخول في جدال طويل أثناء انفعال الطفل. ويمكن تأجيل مناقشة الموقف حتى يهدأ ويصبح أكثر قدرة على الاستماع.

2. وضع قواعد واضحة وثابتة

يساعد الاتفاق على قواعد مناسبة لعمر الطفل وتطبيقها بصورة متسقة على تقليل الارتباك. ومن المهم أن تكون التعليمات محددة وبسيطة، وأن يعرف الطفل ما المتوقع منه وما النتائج المترتبة على سلوكه.

3. منح الطفل اختيارات محدودة

يوضح الدكتور أسامة عبد الجواد أن منح الطفل فرصة للاختيار بين بديلين مناسبين قد يساعده على الشعور بالاستقلال، مثل الاختيار بين ملابس محددة أو تحديد ترتيب بعض الأنشطة اليومية.

4. تعزيز السلوك الإيجابي

يمكن تشجيع الطفل عندما يعبر عن غضبه بالكلمات، أو يلتزم بالتعليمات، أو يحل الخلاف دون ضرب أو صراخ. ويساعد الثناء المحدد على توضيح السلوك المرغوب وتشجيع تكراره.

5. الاهتمام بالنوم والروتين اليومي

قد يساعد تنظيم مواعيد النوم والطعام والأنشطة على تقليل بعض نوبات الانفعال المرتبطة بالإرهاق أو الجوع. كما أن تخصيص وقت يومي للتفاعل الإيجابي مع الطفل قد يدعم شعوره بالأمان والاهتمام.

ويؤكد الدكتور أسامة عبد الجواد أن هذه الأساليب ليست بديلًا عن التقييم المتخصص عندما تكون الأعراض شديدة أو مستمرة، لكنها قد تكون جزءًا مهمًا من خطة التعامل مع الطفل.

هل يمكن أن ترتبط العصبية باضطرابات نفسية أو سلوكية؟

يوضح الدكتور أسامة عبد الجواد أن العصبية والعناد قد يظهران ضمن أنماط مختلفة من السلوك، ولا يمكن تشخيص اضطراب نفسي اعتمادًا على هذه العلامات وحدها.

فقد ترتبط بعض الحالات بصعوبات الانتباه أو تنظيم المشاعر، أو القلق، أو الضغوط التي يمر بها الطفل، كما قد تكون هناك عوامل أسرية أو تعليمية تؤثر في سلوكه.

ويتطلب تحديد السبب جمع معلومات عن تاريخ الطفل النمائي والصحي، وطبيعة سلوكه في المنزل والمدرسة، ومدى تأثير الأعراض في حياته اليومية. وقد يستدعي الأمر التواصل مع الأسرة والمدرسة، أو إجراء تقييمات إضافية وفقًا للحالة.

ويشدد الدكتور أسامة عبد الجواد على أهمية تجنب التشخيص الذاتي أو إعطاء الطفل أدوية مهدئة دون إشراف طبي، لأن التدخل المناسب يختلف باختلاف السبب والعمر وشدة الأعراض.

ما دور العلاج النفسي في التعامل مع العناد والعصبية؟

يشير الدكتور أسامة عبد الجواد إلى أن التدخل العلاجي يتحدد وفقًا لاحتياجات الطفل، وقد يشمل إرشاد الوالدين إلى أساليب أكثر فاعلية في التعامل مع السلوك، أو جلسات نفسية تساعد الطفل على فهم مشاعره وتنظيمها، أو تدخلات سلوكية مناسبة لعمره.

وفي بعض الحالات، يمكن الاستفادة من أساليب العلاج المعرفي السلوكي الملائمة للأطفال، خاصة عندما تكون هناك صعوبات في التعامل مع القلق أو الغضب أو المواقف المسببة للتوتر.

وقد يتطلب الأمر التعاون مع المدرسة لوضع أساليب دعم مناسبة، خصوصًا إذا كانت المشكلات تظهر داخل الفصل الدراسي أو تؤثر في العلاقات مع الزملاء.

ويؤكد الدكتور أسامة عبد الجواد أن مشاركة الأسرة في الخطة العلاجية قد تكون عنصرًا مهمًا في تحسين التواصل مع الطفل وتعزيز السلوك الإيجابي، وأن الهدف هو مساعدة الطفل على اكتساب مهارات مناسبة، وليس مجرد إيقاف السلوك الظاهر.

متى يجب حجز موعد مع طبيب نفسي للأطفال؟

ينصح الدكتور أسامة عبد الجواد بطلب تقييم متخصص عندما تستمر نوبات الغضب أو العناد بصورة متكررة، أو عندما تؤثر في تعلم الطفل أو نومه أو علاقاته، أو عندما يشعر الوالدان بأن أساليب التعامل المعتادة لم تعد كافية.

كما أن التغير المفاجئ في السلوك، أو ظهور خوف شديد أو انسحاب اجتماعي ملحوظ، يستحق الاهتمام، خاصة إذا ترافق مع تغيرات في النوم أو الشهية أو الأداء الدراسي.

ويختتم الدكتور أسامة عبد الجواد بالتأكيد على أن التعامل المبكر مع المشكلات النفسية والسلوكية قد يساعد الطفل والأسرة على فهم أسباب الصعوبات واكتساب مهارات أفضل للتعامل معها، مع مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال وتجنب لومهم أو وصمهم بسبب سلوكيات يمكن فهمها وتقييمها.

للتواصل مباشرة مع الدكتور أسامة عبدالجواد .. اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
أنت طبيب؟ انضم للدليل