لماذا لا يقدر أبنائنا ما نقدمه من أجلهم؟.. الدكتورة سالي غلوش تشرح الأسباب
كتبت/ مي السايح

كثير من الآباء والأمهات يردّدون في لحظات الصمت المؤلم سؤالًا واحدًا لا يجد إجابة شافية: «أنا أضحي بكل شيء من أجلهم… فلماذا لا يشعرون؟ ولماذا لا يقدّرون؟»
سؤال يتكرر داخل البيوت العربية، ويصاحبه شعور بالخذلان والإحباط، وربما الغضب المكبوت، حين يتحول العطاء اليومي إلى واجب غير مرئي، والتضحية المستمرة إلى أمر مُسلَّم به لا يُقابَل حتى بكلمة شكر.
في هذا الحوار الخاص مع طب توداي، تكشف الدكتورة سالي غلوش، استشارية الصحة النفسية بجامعة ليدز، الأسباب النفسية الخفية وراء شعور الوالدين بعدم التقدير، وتوضح متى يكون هذا الإحساس طبيعيًا، ومتى يتحول إلى جرح نفسي يحتاج إلى وعي وعلاج.
هل عدم تقدير الأبناء أمر طبيعي؟
تؤكد الدكتورة سالي غلوش أن عدم تقدير الأبناء في مراحل الطفولة والمراهقة يُعد في كثير من الأحيان سلوكًا طبيعيًا، وليس دليلًا على الجحود أو سوء التربية.
وتوضح أن الطفل لا يرى التضحيات غير المرئية التي يبذلها والداه، مثل القلق والتفكير والسهر والتخطيط للمستقبل، بل يعتبر ما يحصل عليه جزءًا من حقوقه الطبيعية داخل الأسرة. كما أن الوعي العاطفي لا يكتمل في سن مبكرة، ولا يولد الطفل وهو يعرف كيف يعبّر عن الامتنان.

لماذا يشعر الوالدان بعدم التقدير؟
تشير الدكتورة إلى عدة أسباب رئيسية، من بينها:
العطاء الزائد بلا حدود
عندما يلبّي الوالدان كل الطلبات، ويمنعان الأبناء من أي تعب أو مسؤولية، يتحول العطاء إلى أمر اعتيادي لا يُنتظر له شكر.
القيام بدور المنقذ دائمًا
حين لا يُترك للطفل مجال للخطأ أو تحمّل النتائج، لا يشعر بقيمة الجهد المبذول من أجله.
العطاء المصحوب باللوم
مثل تكرار عبارات: «ضحيت بعمري علشانك» أو «مش مقدر اللي بعمله»، وهي عبارات تزرع الذنب والضغط بدلًا من الامتنان.
عدم تعليم ثقافة التقدير
فالتقدير سلوك متعلَّم، يحتاج إلى نموذج عملي داخل البيت، يبدأ من طريقة تعامل الوالدين مع بعضهما.
متى يتحول الشعور إلى جرح نفسي؟
توضح استشارية الصحة النفسية أن الخطر يبدأ حين يربط الوالد قيمته الذاتية بتقدير الأبناء له، أو ينتظر منهم إشباعًا عاطفيًا يفوق قدرتهم العمرية، وهنا تصبح المشكلة أعمق من مجرد سلوك طفل، وتتحول إلى احتياج نفسي غير مُلبّى لدى الوالد نفسه.

ماذا يحتاج الأبناء فعليًا؟
بحسب الدكتورة سالي، الأبناء لا يحتاجون إلى تضحية مُعلَنة أو ضغط نفسي، بل يحتاجون إلى:
- حب آمن غير مشروط
- حدود واضحة
- مسؤوليات تناسب أعمارهم
- نموذج عملي للتقدير والاحترام
فالتربية المتوازنة لا تقوم على إلغاء الذات، ولا على التضحية المؤلمة، بل على علاقة صحية قائمة على المشاركة والوعي.

كيف نعلّم أبناءنا التقدير؟
تقدّم الدكتورة عدة خطوات عملية، منها:
- طلب السلوك بدل انتظار حدوثه تلقائيًا: «قل شكرًا»، «تحدث باحترام».
- تقليل العطاء الفردي وزيادة المشاركة في المسؤوليات.
- التعبير عن المشاعر بدون اتهام أو لوم مباشر.
- أن يكون الوالدان قدوة في الشكر والتقدير داخل البيت.
- احترام الأم والأب لوقتهما وتعبهما وحدودهما الشخصية.
تختتم الدكتورة سالي غلوش حديثها برسالة مهمة: «عدم تقدير الأبناء لا يعني أنك أم فاشلة أو أب غير مهم، بل يعني أن أبناءك ما زالوا يتعلمون، وأنك تحتاج أيضًا أن تتعلم كيف تقدّر نفسك قبل أن تنتظر التقدير من غيرك».
الاختلافات بين الرجل والمرأة.. تكامل أم صراع؟.. استشارية الصحة النفسية د.سالي غلوش توضح الفروقات




