د. إسلام نصر… قصة بطل في غرفة العمليات: كيف أعاد الحياة لمريضة توقّف قلبها 40 دقيقة وهو بيقول يارب عشان خاطر عيالها
كتبت سالي صلاح

في عالم الطب، هناك لحظات لا تُنسى، تبقى محفورة في ذاكرة الطبيب إلى آخر العمر. لحظات يتوقف فيها الزمن، بين نبضة تُحافظ على الحياة… وأخرى قد لا تأتي.
وفي هذه القصة المؤلمة والمُلهمة في الوقت ذاته، يروي لنا الدكتور إسلام نصر، طبيب التخدير، واحدة من أصعب التجارب التي مرّ بها طوال مسيرته المهنية، وما زالت آثارها النفسية تسكن بداخله حتى اليوم.
القصة نُشرت على صفحة لقد وقعنا في الطب لتُسلّط الضوء على حقيقة ما يتحمله أطباء التخدير من مسؤوليات مرعبة، لا يشعر بها إلا من عاش لحظة توقف قلب مريض بين يديه.
بداية القصة: إرهاق شديد… وبلاغ مفاجئ من غرفة العمليات
يقول الدكتور إسلام نصر إنه كان في قمة الإرهاق بعد ساعات طويلة من العمل، وكان في أمسّ الحاجة للراحة، عندما وصله اتصال من المستشفى يخبره بوجود حالة عاجلة: مريضة أقل من 40 عامًا ستُجرى لها عملية بسيطة بالمنظار لاستئصال الزائدة.
حاول الطبيب — كما يروي — الاتصال بكل زملائه لعله يجد من يستطيع أن يحضر بديلًا عنه، لكن الجميع كان غير متاح.
“ماكانش قدامي غير إني أروح… اتوكلت على الله وشربت قهوة وبدأت أفوق”، هكذا يصف اللحظة التي بدأ فيها العمل على الحالة.
إجراءات التخدير… وكل شيء كان طبيعيًا
المريضة شابة، وليس لديها أي تاريخ مرضي مُقلق، والمؤشرات الحيوية كانت مثالية.
وخلال العملية، كل شيء كان يسير “زي الفل” كما يقول:
- النبض طبيعي
- الضغط ممتاز
- نسبة الأكسجين مستقرة
- قراءة ثاني أكسيد الكربون مثالية
انتهت الجراحة خلال أقل من نصف ساعة، وبدأ الطبيب خطوات الإفاقة التقليدية:
وقف غازات التخدير… استعادة التنفس… إعطاء الريڤيرس… سحب الإفرازات… ثم إزالة الأنبوبة.
لكن هنا حدث ما لا يُتوقع.
الصدمة: توقف تنفس المريضة… ثم ارتجاف بطيني مفاجئ (V.F)
لحظة واحدة قلبت كل شيء.
المريضة توقفت عن التنفس فجأة.
بالونة التنفس ثابتة.
الـ Waveform بلا حركة.
نظرة إلى الشاشة… رسم القلب يُظهر Ventricular Fibrillation — ارتجاف بطيني قاتل.
لم يصدق… وضع يده على رقبة المريضة ليبحث عن النبض…
لكن لا يوجد نبض.
“كان قلبي بيدق 120 وأنا باقرب إيدي لرقبتها… كنت باقول يا رب يكون الجهاز بيغلط”، هكذا يروي.
حالة وفاة داخل غرفة العمليات… والدكتور وحيد في اللحظة الصعبة
كانت الممرضة وفني العمليات معه فقط، وطلب منهم فورًا:
- استدعاء الزملاء من الغرف المجاورة
- إحضار الكراش تروولي
ثم بدأ الطبيب الإنعاش القلبي الرئوي (CPR) بنفسه، وحده، بينما يحاول السيطرة على الخوف والأسئلة التي كانت تضرب رأسه بلا توقف:
- ليه قلبها وقف؟
- هترجع ولا لأ؟
- لو رجعت هترجع بإعاقة؟
- هاقول لأسرتها إيه؟
لكن عقله — كما يقول — “قفل كل الأسئلة” وفتح فقط صفحة الـ ALS Algorithms داخل رأسه.
صدمة وراء صدمة… وأدرينالين يجري في القلوب قبل الأوردة
خلال دقائق، وصل الدعم الطبي.
خضع القلب لعدة صدمات كهربائية:
صدمة… ثم الثانية… ثم الثالثة…
ثم تحوّل الـVF إلى Asystole (خط مستقيم).
استمر الفريق في CPR، بينما تُفتح أمبولات الأدرينالين واحدة تلو الأخرى.
لكن الطبيب لم يكن يضخ الدواء في المريضة فقط… بل كان جسده هو الآخر في حالة “أدرينالين”.
يقول:
“الـ CPR محتاج قوة غير طبيعية… إحنا بنضغط 100–120 ضغطة في الدقيقة، وده شيء فوق طاقة البني آدم لو عمله بشكل مستمر. بس كان قدامي حل واحد: يا المريضة ترجع… يا أنا أموت.”
20 دقيقة… ثم 40… ثم ساعة إلا تلت!
في المعتاد، مدة الإنعاش 20 دقيقة، ثم يتم إعلان الوفاة إذا لم يستجب المريض.
لكن الدكتور إسلام رفض الاستسلام.
الزملاء كانوا ينهارون واحدًا تلو الآخر، يسندون ظهورهم للحائط من الإرهاق.
أما هو فكان يرى في كل ثانية فرصة أخيرة.
يقول:
“كل اللي حواليّ كانوا بيبصوا لي بنظرة خلاص… ده عمرها. بس أنا كنت حاسس إني لو وقفت… هافضل شايل الذنب ده لآخر حياتي.”
ورغم الألم في الكتف، وضيق النفس، ورعشة الصوت… استمر.
اللجوء لرب الأسباب: اللحظة التي غيرت كل شيء
عندما شعر أنه في آخر محاولة، قال في نفسه:
“هضغط لآخر مرة… والباقي على الله.”
ثم دعا:
“يارب انقطعت الأسباب إلا منك… يارب ارحم ضعفي وضعفها… يارب من أجل عيالها وعيالي.”
وبينما انتهى من الدعاء… وانتهى من آخر دورة CPR…
عاد النبض.
عاد القلب.
وعادت الحياة.
فرحة الجميع… وصمت الطبيب
انهالت صيحات “الحمد لله” داخل الغرفة.
لكن الدكتور إسلام لم يحتفل.
كان عقله يقول: “لسه… يا رب تكمل على خير.”
نُقلت المريضة للعناية المركزة، وهناك بدأ فصل جديد من التعب.
مرحلة الـ 48 ساعة الأصعب: العمل بلا نوم
بصفته مدير العناية المركزة أيضًا، لم يكن أمامه خيار للراحة.
قرر إبقاء المريضة تحت تأثير المخدر على جهاز التنفس لمدة 48 ساعة كاملة، لتجاوز الصدمة وضبط الوظائف الحيوية.
لم يتركها دقيقة…
يتابع التحاليل… الغازات… العلامات الحيوية…
يُطمئن أهلها… بينما هو نفسه يحتاج من يُطمئنه.
حتى والدته، عندما سمعت صوته قالت:
“مالك يا إسلام… صوتك تعبان.”
فرد:
“ادعيلي يا أمي… أنا في كرب شديد.”
المعجزة: المريضة تستيقظ… وتبتسم… وترفع علامة النصر
بعد مرور 48 ساعة عصيبة، بدأ الطبيب محاولات فصل المريضة عن جهاز التنفس.
رغم توقعات كثير من الأطباء بعدم قدرة المخ على التعافي بعد توقف القلب لمدة طويلة…
إلا أن ما حدث كان معجزة حقيقية:
المريضة صحيت.
قعدت.
وكمان اتصورت مع الفريق وهي رافعة علامة النصر.
عاد قلبها… وعادت لأسرتها… وعادت لبناتها.
لكن الدكتور إسلام يقول:
“فى اللحظة دي حسّيت إن جوايا حاجة اتكسرت… مش عارف أوصفها… بس اتغيرت.”
تأثير التجربة على الطبيب: خوف جديد… وذكرى لا تُنسى
منذ ذلك اليوم، أصبح الدكتور إسلام يشعر بخوف شديد كلما دخل غرفة عمليات الزائدة.
وأصبح المكان الذي شهد الموقف يحمل ذكرى لا تفارقه.
يقول:
“الناس بتقول الدكتور طماع… أو مهمل… محدش بيشوف اللي بنشوفه… ولا اللي بنعيشه لما روح إنسان تبقى بين إيدينا.”
رسالة “طب توداي” في نهاية التقرير
هذه القصة ليست مجرد سرد طبي…
هي تذكير مؤلم بمدى صعوبة مهنة الطب — وخصوصًا طب التخدير — وما يحمله الأطباء فوق طاقاتهم النفسية والجسدية.
وفي “طب توداي”، نرى أن نشر هذه التجارب واجب إنساني، لأنها تُظهر الحقيقة:
وراء كل عملية “بسيطة”… هناك بطل يقف بين الحياة والموت.




