دم لونه أبيض زي الكريمة.. د. أحمد عبد الجواد يكشف كارثة مخفية وراء معاناة شاب بسبب ألم المعدة
كتبت: أماني محمد
يروي دكتور أحمد عبد الجواد، استشاري الباطنة وطب الحالات الحرجة، تفاصيل حالة صادمة لشاب يبلغ من العمر 35 عامًا، دخل عيادته وهو يعاني آلامًا شديدة في أعلى البطن، يصفها بأنها “سكاكين بتقطع في أحشائه”، خاصة بعد تناول الطعام، مع امتداد الألم إلى الظهر وانحناء جسده من شدته.
يقول الطبيب إن المريض بدا مرهقًا نفسيًا وجسديًا، يحمل كيسًا ممتلئًا بالأدوية، وقد فقد ما يقرب من 10 كيلوجرامات من وزنه خلال فترة قصيرة، بينما لم يعرف النوم طريقًا لعينيه منذ شهور.
كورسات المضادات الحيوية لم تُخفف الألم رغم اختفاء الجرثومة
بحسب دكتور أحمد عبد الجواد، فإن المريض زار أكثر من طبيب، وكان التشخيص واحدًا في كل مرة: جرثومة المعدة إيجابية، وحصل المريض على عدة كورسات من المضادات الحيوية، وبالفعل اختفت الجرثومة، لكن الألم استمر دون أي تحسن يُذكر.
حتى منظار المعدة، الذي أظهر التهابات بسيطة، لم يكن كافيًا لتفسير هذا الكم من الألم والمعاناة، ما دفع الطبيب للتوقف وإعادة التفكير من جديد.
التفكير خارج المعدة.. ماذا عن البنكرياس؟
يوضح استشاري الباطنة أن طبيعة الألم، وزيادته مع تناول الدهون، وامتداده إلى الظهر، كلها علامات جعلته يفكر فيما هو “وراء المعدة”، وتحديدًا البنكرياس.
ورغم أن السونار لم يُظهر مشكلة واضحة، فإن الشك لم يختفِ، ليطلب الطبيب أشعة مقطعية بالصبغة على البطن، والتي كشفت عن تورم بسيط في البنكرياس، لا يرقى لالتهاب حاد، لكنه في الوقت نفسه لا يبرر الحالة المتدهورة للمريض.
التهاب بنكرياس مشتعل ببطء
هنا، بدأ التشخيص يتضح، حيث أشار دكتور أحمد عبد الجواد إلى حالة تُعرف طبيًا باسم
Subacute Smoldering Pancreatitis، أو الالتهاب البنكرياسي المشتعل ببطء، وهو نوع خادع من الالتهاب لا يظهر بصورة عنيفة، لكنه ينهك البنكرياس تدريجيًا على مدار أسابيع أو شهور.
لكن السؤال الأهم ظل مطروحًا: ما السبب الحقيقي الذي يُبقي هذا الالتهاب مشتعلًا؟
تحليل واحد كشف الكارثة
بعد استبعاد كل الأسباب الشائعة، طلب الطبيب إجراء تحليل دهون كامل (Lipid Profile) بشكل عاجل، المريض استغرب، مؤكدًا أنه لا يعاني من السمنة، ولا يتناول الدهون بكثرة.
المفاجأة جاءت من المعمل: “عينة الدم كانت بيضاء كريمية اللون، بسبب ارتفاع شديد في الدهون الثلاثية، التي تجاوزت حاجز 1000 ملجم/ديسيلتر، بينما الطبيعي أقل من 150”.

دم أبيض.. وبنكرياس تحت الحصار
يشرح دكتور أحمد عبد الجواد أن هذا الارتفاع الجنوني في الدهون حوّل الدم إلى سائل لزج، سدّ الشعيرات الدموية المغذية للبنكرياس، ما دفع البنكرياس لإفراز إنزيمات هاضمة بدأت في تدمير نسيجه ذاته، وهنا اتضح أن جرثومة المعدة لم تكن سوى ستار خادع أخفى الكارثة الحقيقية.
خطة علاج دقيقة أنقذت المريض
اعتمد العلاج على بروتوكول صارم، شمل:
- الصيام التام للأمعاء لتقليل إفراز إنزيمات البنكرياس
- سوائل وريدية مكثفة للحفاظ على الدورة الدموية
- أدوية الفايبريت لخفض الدهون الثلاثية بشكل عاجل
- منع الدهون المشبعة نهائيًا في النظام الغذائي
أكد د.أحمد عبد الجواد أنه لحسن الحظ، استجاب المريض دون الحاجة إلى غسيل البلازما.
وأوضح د.عبد الجواد بعد أسبوعين، عاد المريض بابتسامة غابت طويلًا، مؤكدًا أن الألم اختفى تمامًا، مختتمًا كلامه برسالة واضحة: “التشخيص الحقيقي لا يقف عند أول تحليل إيجابي، بل يبحث عن السبب وراء السبب”.




