جحود أم بتقول لبنتها “إنتي مش هتلاقي حد يتجوزك ” بسبب البهاق
كتبت/ مي السايح

تروي طبيبة عن فتاة وصلت إلى الاستقبال وهي “مغمي عليها”، لكن الفحص الطبي للأعراض الحيوية (النبض، الضغط، التنفس، استجابة العين) أوضح أنها في وعي كامل، وأن ما يحدث أقرب إلى ادعاء الإغماء أو ما يُعرف في الطب النفسي بـ “النوبات التحويلية” أو (Conversion-like episodes)، وهي حالات لا يكون فيها المريض كاذبًا بمعنى الكلمة، بل يستخدم الجسم طريقة “درامية” للتعبير عن ألم نفسي لا يجد له لغة أخرى.
الطبيبة طلبت من الأهل الخروج وبقيت مع الفتاة والممرضة، وواجهتها بهدوء: “أنا عارفة إنك فايقة وسمعاني… ممكن نتكلم؟” انفجرت الفتاة في البكاء، وبدأت الحكاية.
الفتاة مصابة بـ البُهاق في أكثر من موضع في جسدها، بينها الوجه. البهاق مرض مناعي مزمن، يهاجم فيه الجهاز المناعي الخلايا المكوّنة لصبغة الجلد، فينتج عنه بقع فاتحة؛ ويحتاج لعلاج طويل ومتابعة مستمرة، لكنه لا يقلل من قيمة الإنسان ولا من حقه في الزواج أو الحياة الطبيعية.

الفتاة كانت – كما تحكي – متقبلة حالتها طبيًا:
- تتابع مع طبيب جلدية.
- قرأت عن طبيعة المرض وتوقعت أن العلاج سيأخذ وقتًا.
- صديقاتها احتووها نفسيًا ولم يتغير سلوكهن معها.
المفاجأة أن التنمر لم يأتِ من الشارع أو الغرباء… بل من أمها وأخواتها، وتحكي الفتاة للطبيبة أن أمها تكرر على مسامعها عبارات جارحة مثل:
- “كل ما أشوفك الدنيا تسود في عيني.”
- “إنتِ مش هتتجوزي… مين هيرضى بيكي؟”
- “هتقعدي تخدميني وخلاص، استحلي أجرِك عند ربنا بدل جواز.”
هذه الكلمات ليست مجرد “كلام عابر”؛ بل تنمّر نفسي ممنهج، يرسّخ لدى الفتاة فكرة أنها غير مرغوبة، وأن مستقبلها مغلق.
هنا تتحوّل الأسرة – المفترض أن تكون مصدر الأمان – إلى مصدر رئيسي للضغط النفسي والاكتئاب وأفكار الانتحار.
تقول الطبيبة في روايتها إنها عندما واجهت الأم: “المرّة دي البنت ادّعت الإغماء… المرة الجاية ممكن تنتحر عادي، والأم نفسها اعترفت – ضمنيًا – بأنها تعرف أن المشكلة نفسية، حين قالت ببرود: “هي شكلها هتحتاج دكتور نفسي، صح يا دكتورة؟”
لترد الطبيبة بحسم: “أيوه هتحتاج دكتور نفسي… وحضرتك كمان محتاجة تحضري الجلسات معاها، عشان تعرفي تتعاملي مع مريض البهاق قبل ما تيجي المرة الجاية منتحرة.”
هذا الرد يعكس جانبًا مهمًا من الطب الحديث: العلاج لا يقتصر على المريض وحده، بل يشمل المحيطين به، خاصة إذا كانوا جزءًا من المشكلة.
طبيًا، البهاق:
- ليس مرضًا معديًا.
- لا ينتقل باللمس أو الاحتكاك.
- يمكن التعايش معه وعلاجه بدرجات متفاوتة.
لكن اجتماعيًا، مصاب البهاق في مجتمعات كثيرة يتعرض إلى:
- تنمّر على الشكل.
- ربط ظالم بين المرض ومستقبله الاجتماعي والزواج.
- تحميله مسؤولية “الإحراج” أمام الناس.
هذا النوع من الضغط النفسي قد يسبّب:
- اكتئابًا شديدًا.
- قلقًا دائمًا من نظرات الآخرين.
- اضطرابات أكل (أكل زائد أو فقدان شهية).
- سلوكيات هروبية (ادعاء الإغماء، الانعزال، إيذاء الذات).
لماذا التنمر الأسري أخطر من أي تنمّر آخر؟
لأن الطفل أو الشاب لا يستطيع “تغيير أسرته” ولا الهروب منها بسهولة، فيشعر أن:
- الإهانة “حقيقة” وليست مجرد رأي.
- أنه غير محبوب وغير مقبول حتى من أقرب الناس.
- لا يوجد مكان آمن يلجأ إليه.
هذا يرفع بشكل كبير خطر:
- الأفكار الانتحارية.
- تعاطي المهدئات أو المخدرات للهروب.
- اضطرابات نفسية مزمنة تستمر لسنوات.
الوقاية هنا لا تكمن فقط في الأدوية، بل في:
- توعية الأسرة بطبيعة المرض وأنه لا يقلل من قيمة الشخص.
- تشجيع الأهل على الدعم بدل التحقير.
- إحالة الحالات المعرضة للخطر إلى الطبيب النفسي مبكرًا.
- تدريب الطواقم الطبية على اكتشاف علامات العنف النفسي والتنمر الأسري من خلال رواية المريض وسلوك الأهل.




