محمد طنطاوي يكتب: طلاسم الروشتات الطبية حكم بالإعدام لمريض بريء عاجز

من الضروري أن نبدأ بحقيقة واضحة: رأي الطبيب وخطّه ليسا أمرًا مقدسًا لا يحتمل المراجعة أو السؤال.
الطب علم يُشرح ويُفهم، والعلاج مسؤولية مشتركة بين الطبيب والمريض.

لذلك لا يجب أن يشعر أي مريض بالحرج من مراجعة طبيبه في اسم الدواء أو الجرعة أو طريقة الاستخدام.

كما لا ينبغي أن يغضب الطبيب أو ينزعج عندما يسأله المريض عمّا كُتب في الروشتة، لأن السؤال في هذه الحالة ليس تشكيكًا، بل حرص على الحياة.

ولذلك، يجب التأكيد على قاعدة بسيطة:
لا ينبغي للمريض أن يغادر العيادة قبل أن يعرف اسم الدواء، وطريقة نطقه، وكيفية كتابته، والجرعات المحددة له.

فالمريض هو من سيتناول الدواء، ومن حقه الكامل أن يفهم كل ما يتعلق بعلاجه. الروشتة ليست سرًا مهنيًا، بل وثيقة علاجية تخص المريض في المقام الأول.

لم تعد مشكلة الروشتات الطبية المكتوبة بخط غير مقروء مجرد شكوى متكررة من المرضى أو الصيادلة، بل أصبحت قضية سلامة عامة تستحق التدخل التنظيمي الواضح والحاسم.

في العيادات والمستشفيات، يخرج المريض حاملًا ورقة يفترض أنها بداية طريق العلاج، لكنه في كثير من الأحيان لا يستطيع قراءة اسم الدواء المكتوب فيها، ولا الجرعة، ولا مدة الاستخدام. وعندما تصل الروشتة إلى الصيدلية، قد تتحول إلى محاولة لفك رموز غير واضحة، وهو أمر لا يصح أن يحدث في مجال يتعلق بصحة الإنسان.

تشير دراسات طبية إلى أن أخطاء صرف الأدوية الناتجة عن عدم وضوح الروشتات أو الجرعات تتسبب في وفاة ما يقرب من 7000 شخص سنويًا في الشرق الأوسط نتيجة تناول أدوية خاطئة أو جرعات غير صحيحة. كما أظهرت دراسة أُجريت في أن هذه الأرقام قد تكون أعلى في بعض الدول الإفريقية بسبب ضعف أنظمة التوثيق الطبي والاعتماد على الروشتات المكتوبة بخط اليد.

هذه الأرقام تكشف بوضوح أن المشكلة ليست شكلية، بل مسألة حياة أو موت.

هناك أنواع من الأدوية لا تحتمل أي خطأ، خصوصًا أدوية القلب والضغط والسيولة والسكري. صرف دواء غير مناسب أو جرعة غير صحيحة قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل الجلطات أو الإعاقات الدائمة، وهي نتائج يمكن تجنبها بسهولة إذا كانت الروشتة واضحة.

إن كتابة الروشتة الطبية بخط واضح ليست رفاهية، بل واجب مهني وأخلاقي. وفي حال عدم وضوح خط الطبيب، يصبح استخدام الروشتة الإلكترونية أو المطبوعة ضرورة وليس خيارًا. وحتى في أبسط الظروف، يجب التأكد من أن المريض يفهم اسم الدواء والجرعة وطريقة الاستخدام قبل مغادرته العيادة.

كما أن العلاقة الصحية بين الطبيب والمريض تقوم على الفهم المتبادل.

من حق المريض أن يسأل عن الدواء الذي سيتناوله، ومن واجب الطبيب أن يوضح دون ضيق أو حساسية.

فالمعرفة جزء أساسي من العلاج، والطبيب الذي يشرح لمريضه ويحترم أسئلته هو طبيب يحمي المريض ويحمي نفسه من الأخطاء أيضًا.

من هنا، تصبح الحاجة ملحّة لوضع إطار تنظيمي واضح يضمن:

  • التوسع في استخدام الروشتات الإلكترونية في المؤسسات الصحية
  • إلزام الأطباء بكتابة الأدوية والجرعات بشكل مقروء
  • تعزيز التعاون مع الصيدليات لمنع صرف الأدوية من روشتات غير واضحة
  • نشر ثقافة وعي دوائي لدى المرضى

إن تنظيم كتابة الروشتة الطبية خطوة بسيطة من الناحية الإدارية، لكنها كبيرة في أثرها على صحة المواطنين.

فالروشتة ليست مجرد ورقة يكتبها الطبيب وينتهي الأمر، بل وثيقة علاجية قد يتوقف عليها شفاء مريض أو تعرضه لمضاعفات خطيرة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله:
هل من المقبول أن يظل وضوح الدواء الذي يتناوله المريض مسألة اجتهاد شخصي، أم أنه يجب أن يصبح قاعدة ملزمة داخل المنظومة الصحية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى