“وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت”.. اللواء عصام عبد الله يرحل في حادث مروع قبل تسلم مهام منصبه الجديد كمدير لأمن الوادي الجديد.. ونجاة مرافقيه بأعجوبة – صور
كتبت - ريم شيحة

لم يكن يعلم أن رحلته لاستلام عمله الجديد ستكون الأخيرة، وأن الطريق الذي سيقوده إلى مديرية أمن الوادي الجديد، سيقوده في الحقيقة إلى نهاية العمر. اللواء عصام عبد الله، الذي تم تعيينه قبل ساعات مديرًا لأمن الوادي الجديد، رحل في حادث سير مروع على طريق الخارجة – أسيوط، قبل أن تطأ قدماه المكتب الجديد. حادث مأساوي هزّ الأوساط الأمنية، وأسفر عن وفاته في الحال وإصابة اثنين من مرافقيه من أمناء الشرطة.
■ ساعات فاصلة.. من الترقية إلى الرحيل
بعد صدور حركة تنقلات الشرطة السنوية، تم تكليف اللواء عصام عبد الله، مدير أمن شمال سيناء السابق، بتولي قيادة مديرية أمن الوادي الجديد، في مهمة أمنية جديدة تعكس ثقة كبيرة في خبراته وحنكته الميدانية.
وفي الساعات الأولى من صباح السبت 26 يوليو 2025، استقل اللواء الراحل سيارته من محافظة المنيا، متجهًا إلى مدينة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد، استعدادًا لتسلُّم عمله رسميًا. كان بصحبته اثنان من أمناء الشرطة، كمرافقين في المهمة الجديدة.
لكن الطريق الصحراوي الطويل لم يكن رحيمًا. وفي أحد المنحنيات على طريق “الخارجة – أسيوط”، وقع الحادث الأليم.
■ تفاصيل الحادث: الموت على الطريق
بحسب التحقيقات الأولية، فقدت السيارة السيطرة نتيجة اختلال في عجلة القيادة، لتصطدم بقوة وتتعرض لانقلاب مدمر، أسفر عن وفاة اللواء عصام عبد الله في الحال، بينما أُصيب الأمينان المرافقان له بإصابات متوسطة، وتم نقلهما إلى المستشفى لتلقي العلاج.
الفريق الطبي بمستشفى أسيوط الجامعي أكد أن الوفاة كانت فورية نتيجة نزيف داخلي وكسور متعددة، مشيرًا إلى أن شدة الاصطدام لم تترك فرصة للنجاة.
■ وزارة الداخلية تنعى.. وصلاة الغائب في كل القطاعات الأمنية
وزارة الداخلية نعت ببالغ الحزن اللواء عصام عبد الله، مؤكدة أن الفقيد كان أحد رجال الشرطة الأوفياء الذين خدموا وطنهم بشرف ونزاهة في مواقع أمنية بالغة الحساسية، أبرزها مديرية أمن شمال سيناء.
في نفس الوقت، نُظّمت صلاة الغائب على روحه في العديد من مديريات الأمن، وشارك عشرات من قيادات الداخلية في جنازته الرسمية التي خرجت من محافظة المنيا، مسقط رأسه، وسط دموع الأهل والزملاء.
■ شهادة ميدانية: “كان يسبقنا دائمًا إلى الخطر”
قال أحد ضباط مديرية أمن شمال سيناء السابقين:
“اللواء عصام لم يكن مديرًا فقط، بل كان قائدًا ميدانيًا من الطراز الأول. في كل عملية أمنية كبرى، كان أول من يصل وآخر من يغادر. كنا نراه يقف في الصفوف الأولى مع الجنود، لا يعرف التراخي ولا يحب المكاتب.”
■ طبيًا: لماذا تكثر حوادث الوفاة على الطرق الصحراوية؟
بحسب ما يؤكده الدكتور علاء مرسي، أستاذ الصحة العامة والوقاية، فإن الطرق الصحراوية في مصر، خصوصًا في فصل الصيف، تمثل خطورة عالية، لعدة أسباب:
- الحرارة المرتفعة تؤثر على أجهزة السيارة الحيوية مثل الإطارات والمكابح.
- الإرهاق والتعب الناتج عن القيادة الطويلة وسط الصحراء قد يؤدي إلى تشتّت الانتباه.
- قلة الاستراحات والخدمات الطبية الطارئة يفاقم من عواقب أي حادث.
- الطرق الممتدة والمستقيمة قد تُشعر السائق بالأمان الزائف، مما يقلل من يقظته.
وأضاف أن “الوفاة الفورية في مثل هذه الحوادث تحدث غالبًا بسبب إصابات الرأس أو النزيف الداخلي، وهو ما حدث مع اللواء عصام”.
■ رسالة إنسانية من الحادث: استعد للمجهول
الموت المفاجئ لا يفرق بين من يستعد لفرح أو من يتهيأ للعمل. الرحيل قد يأتي في لحظة طريق. ولهذا، يقول الشيخ يوسف البكري، من علماء الأزهر الشريف:
“هذه المواقف تذكرنا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح)، فهي تذكرة بأن نستعد دائمًا بلقاء الله، في أي وقت، وفي أي مكان.”
■ ما بعد الرحيل.. الوادي الجديد تنتظر قائدًا لن يأتي
كانت مديرية أمن الوادي الجديد تنتظر استقبال قائدها الجديد في موكب رسمي معتاد. لكن الموعد تحوّل إلى نعي، والترحيب تحوّل إلى عزاء، والملف الأمني الذي كان سيتسلّمه بيده، ظلّ على الطاولة ينتظر من يفتحه بعده.
■ ختامًا: رجال في خدمة الوطن.. حتى آخر نفس
غادر اللواء عصام عبد الله الحياة في الطريق وهو متجه لخدمة الوطن. لم يكن في نزهة، بل في مهمة رسمية. لم يُصَب في معركة، لكن الحادث كان كافيًا ليجعله في نظر الوطن شهيدًا للواجب.
في موته، كما في حياته، ظل مثالًا للرجل الذي لا يتأخر عن نداء بلده، ولو كان الثمن حياته.
محمد طنطاوي يعزّي وزارة الداخلية وأهالي الفقيد
وفي سياق متصل، نعى الكاتب الصحفي والإعلامي محمد طنطاوي، رئيس تحرير منصة “طب توداي”، ببالغ الحزن والأسى، وفاة اللواء عصام عبد الله، مؤكّدًا أن الراحل كان مثالًا مشرفًا لرجل الشرطة الوطني الشريف، الذي خدم بلاده في أصعب الظروف وأشدّ المواقع الأمنية حساسية.
وقال طنطاوي إن وزارة الداخلية فقدت قامة أمنية رفيعة المستوى، وكان لزامًا على الجميع أن يتقدموا بخالص العزاء إلى الوزير اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، وإلى المؤسسة الأمنية بأكملها، وكذلك إلى أسرة الفقيد وأهاليه الذين فجعتهم فاجعة الرحيل، مضيفًا: “رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وألهم أهله وزملاءه الصبر والسلوان.”





