“مشاعرك لو فهمتيها هتبقى نقطة قوتك” حوار طب توداي مع د. سالي غلوش استشارية الصحة النفسية عن الذكاء العاطفي
كتبت/ مي السايح

في زمن تتسارع فيه الضغوط وتتشابك العلاقات، لم يعد الذكاء العقلي وحده كافيًا للنجاح. عن “الذكاء العاطفي” وأهميته ودوره في حياتنا اليومية، تحاور طب توداي مع الدكتورة سالي غلوش، استشارية الصحة النفسية بجامعة ليدز، التي وضعت خريطة واضحة لفهم هذه المهارة الحيوية وكيفية تنميتها.
ما هو الذكاء العاطفي؟
توضح د. سالي غلوش أن الذكاء العاطفي هو القدرة على فهم المشاعر، سواء مشاعرك أنت أو مشاعر الآخرين، ثم استخدام هذا الفهم لاتخاذ قرارات سليمة، والتواصل بفعالية، وإدارة المواقف الصعبة.
وتضيف أن الذكاء العاطفي يقوم على جانبين أساسيين:
- الوعي بالمشاعر
- إدارة هذه المشاعر بشكل بنّاء

لماذا الذكاء العاطفي مهم في حياتنا اليومية؟
بحسب د. غلوش، فإن الذكاء العاطفي يؤثر بشكل مباشر على:
- طريقة تواصلك مع الآخرين
- قدرتك على التعامل مع الضغوط
- جودة علاقاتك الشخصية والعائلية
- نجاحك المهني والقيادي
- اتزانك النفسي وقدرتك على اتخاذ القرارات
وتشير إلى أن الأشخاص ذوي الذكاء العاطفي المرتفع غالبًا:
- أكثر قدرة على حل المشكلات
- أقل عرضة للانفعالات المدمّرة
- أكثر نجاحًا واستقرارًا في العمل والحياة

مكوّنات الذكاء العاطفي الخمسة
تستعرض د. سالي غلوش خمسة عناصر أساسية تشكل الذكاء العاطفي:
1️⃣ الوعي الذاتي
معرفة الشخص بمشاعره، وفهم ما الذي يحفّزها، وكيف تؤثر على سلوكه وقراراته.
2️⃣ التحكّم الذاتي
القدرة على تهدئة النفس، والتحكم في ردود الفعل، والتصرف بعقلانية لا بانفعال، خصوصًا في المواقف الصعبة.
3️⃣ الدافع الداخلي
وضع أهداف واضحة، والاستمرار في السعي لتحقيقها بدافع شخصي، لا لمجرد إرضاء الآخرين أو خوفًا من العقاب.
4️⃣ التعاطف
فهم مشاعر الآخرين، ورؤية الموقف من زاويتهم، والتعامل معهم بإنسانية ومرونة.
5️⃣ المهارات الاجتماعية
التواصل الفعّال، حل النزاعات، بناء علاقات صحية، وإدارة الحوارات باحترام ووعي.

الفرق بين الذكاء العاطفي والذكاء العقلي
توضح د. غلوش أن الذكاء العقلي (IQ) يقيس القدرات المنطقية والتحليلية مثل الرياضيات والذاكرة، بينما الذكاء العاطفي (EQ) يتعلق بقدرتك على فهم ذاتك والتفاعل مع الآخرين.
وتلفت إلى أن الدراسات تشير إلى أن الذكاء العقلي يساهم بنسبة تقارب 20% فقط في النجاح، بينما يلعب الذكاء العاطفي دورًا أكبر لأنه يتدخل في كيفية تعامل الفرد مع العالم، وضبط مشاعره وعلاقاته.
علامات ارتفاع الذكاء العاطفي
من العلامات التي تذكرها د. سالي غلوش للشخص ذو الذكاء العاطفي المرتفع:
- يظل هادئًا في المواقف الصعبة
- يفهم مشاعره بدقة
- لا يرد بعصبية بشكل تلقائي
- يتعاطف مع الآخرين ولا يحكم بسرعة
- يحسن التعامل مع الخلافات
- يعرف كيف يضع حدودًا بطريقة محترمة
- يتحمل مسؤولية أخطائه بدلًا من إنكارها
كيف يساعد الذكاء العاطفي في العمل؟
تؤكد د. غلوش أن الذكاء العاطفي أصبح أحد أهم عوامل النجاح المهني، لأنه:
- يحسّن القيادة
- يعزز العمل الجماعي
- يساعد على إدارة الخلافات بين الموظفين
- يرفع الروح المعنوية في بيئة العمل
- يحسن خدمة العملاء
- يدعم اتخاذ قرارات أكثر توازنًا
وتوضح أن المدير ذو الذكاء العاطفي المرتفع يكون أكثر قدرة على بناء الثقة، والإقناع، وخلق بيئة عمل صحية ومنتجة.
هل يمكن تنمية الذكاء العاطفي؟
تجيب د. سالي غلوش بأن الذكاء العاطفي خليط بين الفطري والمكتسب؛ فبعض الأشخاص لديهم حس عاطفي مرتفع بالفطرة، لكن الجانب الأكبر يمكن تعلمه وتنميته بالممارسة والوعي والتدريب.
وتقترح مجموعة خطوات عملية:
1️⃣ تطوير الوعي الذاتي
- كتابة المشاعر يوميًا
- سؤال النفس: “لماذا شعرتُ بهذا الشكل؟”
2️⃣ تحسين التحكم في المشاعر
- ممارسة التنفس العميق
- تأجيل الرد لبضع ثوانٍ أو دقائق قبل التفاعل
3️⃣ تعزيز التعاطف
- الاستماع الجيد دون مقاطعة
- محاولة فهم دوافع الآخرين قبل الحكم عليهم
4️⃣ تقوية المهارات الاجتماعية
- استخدام لغة جسد واضحة
- التواصل بصراحة واحترام
- تجنّب اللوم والانتقاد الجارح
5️⃣ إدارة الضغوط
- أخذ فترات استراحة
- تنظيم الوقت
- تحديد الأولويات بواقعية
أخطاء تدل على ضعف الذكاء العاطفي
من الأخطاء الشائعة التي تشير إلى ضعف الذكاء العاطفي، كما توضّح د. سالي:
- ردود فعل سريعة وغير محسوبة (impulsive)
- صعوبة الاعتراف بالخطأ
- تجاهل مشاعر الآخرين
- فقدان السيطرة أثناء الغضب
- خلط النقد الشخصي بالنقد البنّاء
- سوء فهم الرسائل والانفعالات
تختم د. سالي غلوش حديثها بالتأكيد على أن الذكاء العاطفي ليس رفاهية:
“الذكاء العاطفي عمود أساسي للنجاح الشخصي والمهني؛ لأنه يساعدك أن تفهم نفسك والآخرين، فتكون أكثر اتزانًا، وأفضل في قراراتك، وأقوى في علاقاتك، وأقل عرضة للضغوط، وأكثر قدرة على التأثير.”
وتضيف أن تطوير الذكاء العاطفي هو رحلة مستمرة، لكنه في المقابل يمنح صاحبه حياة أكثر وعيًا، واستقرارًا، ونجاحًا على المدى الطويل.




