الولادة الطبيعية أم القيصرية: متى يصبح القرار الطبي ضرورة وليست رفاهية؟

كتبت منة هاني

في السنوات الأخيرة، شهدت مصر والدول العربية ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الولادة القيصرية، إلى الحد الذي بات يُنظر فيه إلى الولادة الطبيعية وكأنها استثناء، لا القاعدة. وبينما تستند بعض الأمهات إلى دوافع نفسية أو اجتماعية لاختيار العملية القيصرية، يُصر الأطباء على أن القرار ينبغي أن يكون طبيًا بحتًا، وأن الولادة الطبيعية تظل الأفضل متى ما كانت الظروف الصحية مناسبة.

فما الفرق الحقيقي بين الولادتين؟ ولماذا يختار كثيرون القيصرية حتى دون وجود ضرورة طبية؟ وهل هناك مخاطر بالفعل من الولادة الطبيعية كما يُشاع في أوساط بعض الحوامل؟ في هذا التقرير، نطرح الأسئلة ونناقش الحقائق، مستندين إلى رأي خبير في طب النساء والولادة.


اختلاف المسارين.. ولادتان ونتائج مختلفة

يقول الدكتور حسام أحمد سالم، استشاري النساء والتوليد بطب القصر العيني، إن الفارق الجوهري بين الولادتين ليس فقط في الطريقة، بل في النتائج والمضاعفات على المدى القريب والبعيد. “الولادة الطبيعية تُعد الأفضل فسيولوجيًا للأم والطفل، لأنها تتيح للطفل المرور عبر قناة الولادة، مما يُعزز مناعته من خلال تعرضه للبكتيريا النافعة، كما تساعد الأم على التعافي بشكل أسرع مقارنة بالقيصرية”.

ومع ذلك، فإن بعض الحالات تستدعي تدخلًا جراحيًا لإنقاذ الأم أو الجنين، مثل تسمم الحمل، الوضع العرضي للجنين، أو عدم تقدم الولادة بشكل طبيعي رغم الانقباضات.


أسباب لجوء الأمهات للقيصرية

خلال السنوات الماضية، زادت النسبة عالميًا، حيث تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن المعدل الطبيعي للولادة القيصرية يجب ألا يتجاوز 10% إلى 15% من إجمالي الولادات، بينما تجاوزت النسبة في مصر 52%، بحسب بيانات وزارة الصحة لعام 2023.

ويعود هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، من أبرزها:

  • الخوف من ألم الولادة الطبيعية
  • الاعتقاد بأن القيصرية أكثر أمانًا
  • رغبة بعض الأطباء في تحديد موعد الولادة بما يتناسب مع جداولهم
  • ضعف التثقيف الصحي للحوامل

الدكتور حسام يُعلّق على هذه الظواهر قائلاً: “هناك حملات تسويقية غير أخلاقية تروّج لفكرة أن الولادة الطبيعية قد تُشوّه جسم المرأة أو تُسبب مضاعفات نفسية، وهذا غير صحيح في أغلب الحالات إذا تم الأمر تحت إشراف طبي دقيق”.


متى تكون القيصرية خيارًا لا مفر منه؟

يشدد الدكتور حسام على أن هناك حالات تكون فيها القيصرية ضرورية تمامًا، مثل:

  • ضيق الحوض عند الأم
  • انفصال المشيمة المبكر
  • تموضع الجنين بشكل غير سليم (عرضي أو بالمقعدة)
  • معاناة الجنين من نقص في الأكسجين أو ضعف في النبض
  • ولادات التوائم أو الأجنة الكبيرة الحجم

ويضيف: “الخطورة لا تكون في الولادة القيصرية ذاتها، وإنما في اللجوء إليها دون حاجة طبية حقيقية، مما يعرّض الأم لمضاعفات مثل النزيف أو التصاقات الرحم أو تأخر الشفاء”.


المضاعفات المحتملة للعملية القيصرية

القيصرية كأي تدخل جراحي، تحمل مجموعة من المخاطر، مثل:

  • زيادة احتمال الإصابة بالعدوى بعد العملية
  • بطء في التعافي مقارنة بالولادة الطبيعية
  • احتمالية ضعف انقباضات الرحم مستقبلاً
  • مشاكل في المشيمة في الأحمال اللاحقة
  • زيادة خطر الولادة المبكرة في الحمل التالي

كما أن الطفل المولود بعملية قيصرية يكون أحيانًا أكثر عرضة لمشاكل في التنفس خلال الأيام الأولى، نتيجة عدم مروره بمراحل الضغط الطبيعي داخل قناة الولادة.


ماذا عن الولادة الطبيعية بدون ألم؟

أصبحت بعض المستشفيات تقدم ما يُعرف بـ”الولادة الطبيعية بدون ألم” باستخدام التخدير النصفي (الإبيديورال)، ما يُقلل من رهبة النساء تجاه الألم. يقول د. حسام: “هذه التقنية آمنة جدًا إذا أُجريت تحت إشراف طبي مدرّب، وتُساعد في تقليل التوتر وتحسين تجربة الولادة”.


من المسؤول عن القرار؟

يؤكد د. حسام أن القرار النهائي بشأن نوع الولادة ينبغي أن يكون ناتجًا عن نقاش علمي بين الطبيب والأم، قائلاً: “الدور الطبي لا يقتصر فقط على إجراء الجراحة أو المتابعة، بل يمتد إلى توعية الحامل بمزايا ومخاطر كل خيار، وتمكينها من اتخاذ قرار مستنير”.


أهمية التثقيف الصحي قبل الولادة

من الضروري أن تحظى كل حامل بفرصة لحضور جلسات تثقيفية، سواء في عيادات المتابعة أو من خلال الحملات الإعلامية. هذه الجلسات يجب أن تشمل معلومات واضحة حول:

  • تطور الحمل الطبيعي
  • كيفية الاستعداد للولادة
  • التعامل مع الألم
  • مضاعفات كل نوع من الولادتين

يشير د. حسام إلى أن كثيرًا من السيدات اللاتي خضعن للقيصرية كنّ قادرات على الولادة طبيعيًا لو توفرت لهن المعلومة الدقيقة والدعم النفسي.


في الختام

ليس هناك نوع ولادة “أفضل” على الإطلاق. بل هناك ولادة أنسب لكل حالة على حدة. الأهم أن يكون القرار مدروسًا، طبيًا، بعيدًا عن الإعلانات أو ضغوط الأسرة أو الخوف من الألم.

الولادة ليست فقط نهاية تسعة أشهر من الحمل، بل بداية لحياة جديدة. واختيار الطريقة الأنسب يجب أن يكون نابعًا من المعرفة، بإشراف طبي متخصص، ووفقًا لحالة الأم والجنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى